الرئيسية  شبهات و ردود  شبهات عقائدية 

شبهات حولَ العدل التكويني (2)


الشبهة الثانية : اختلاف الأحوال العارضة – التي تطرأُ وتزول– كالفقر والغنى ، والمرض والعافية ، فإنَّ كلَّ شيءٍ يتطلب أنْ يصلَ إلى ذروةِ كماله ، وبما أنَّ المرض والفقر على خلاف ما يقتضيه الكمال ؛ لذلك فإنَّ إفاضتهما على العبد لا تكون من وضع الشيء في موضعه ، وإعطاء كلِّ ذي حقٍ حقه .






مناقشةُ الشبهة الثانية : ويمكن أنْ يُجابَ عن هذه الشبهةِ أيضاً ، عن طريق الاستفادة من القاعدة الكلامية المعروفة بقاعدة ( وجوب الأصلح ) ، وقبل بيان كيفية الاستفادة منها في المقام ، لا بدَّ من إيضاحها أولاً ، فنقول : إنَّ المراد من الأصلح : كلُّ أمرٍ يختارهُ الله تعالى لعبده ، فيما يعود إلى شؤونهِ الدنيوية ، كالغنى أو الفقر ، والعافية أو المرض . وقد تحدثَ عن ذلك الشيخُ المفيد ( قده ) فقال : " إنَّ الله تعالى لا يفعل بعباده ما داموا مكلفين إلا أصلح الأشياء لهم في دينهم ودنياهم ، وأنه لا يُدخرهم صلاحاً ولا نفعاً ، وأنَّ مَن أغناه فقد فعل به الأصلح في التدبير ، وكذلك مَن أفقره ، ومَن أصحّه ومَن أمرضَه ، فالقول فيه كذلك " . وذكرَ بعضُ الأعلام ( دامَ عزه ) : " أنَّ وجوب اختيار الأصلح مبني على قاعدة الحسن والقبح العقليين ؛ ولذا قال به العدلية ، بينما أنكره الأشاعرة ، وقالوا : من الجائز أنْ لا يختار الله لعباده ماهو الأصلح لهم ؛ فإنه { لا يُسئل عمَّا يفعل وهم يُسئلون } " . والصحيحُ : أنَّ الأشاعرة وإنْ اتفقوا على عدم الوجوب ، إلا أنَّ العدلية قد اختلفوا في ذلك ، فذهب الشيخ الطوسي ( قده ) إلى عدم الوجوب ، وخالفه العلامة الحلي ( قده ) ، وتوقف في المسألة المقدادُ السيوري ( قده ) . وعمدة أدلة مَن أنكروا وجوبه ثلاثة : أ – الدليل الأول : إنَّ القول بوجوب الأصلح مستلزم للمحال ؛ لأنه ما مِن فعلٍ هو أصلح لشخصٍ إلا وهناك فعلٌ أصلح منه ، والله تعالى قادرٌ على الجميع ، فيلزم من ذلك تحقق كل الأفعال غير المتناهية ، وهو محال . وأُجيبَ عنه : بأنّه لا مانع من تصور كون ( الأصلح ) هو أقصى المراتب – بالنسبة إلى القابل – وإليهِ تنتهي كلها ، فلا يلزم محذور تحقق غير المتناهي . ب – الدليل الثاني : إنَّ لازم القول بوجوب الأصلح لغوية الشكر ؛ إذ أنَّ الله تعالى لم يفعل إلا ما وجب عليه ، فلا يكون مستحقاً للشكر قِبال ذلك . وأُجيبَ عنه : بعدم التنافي بين وجوب اختيار الأصلح وبين وجوب الشكر ؛ إذ أنَّ ملاك وجوب الشكر إنما هو الإحسان الاختياري ، سواء كان تركه قبيحاً أم لا ، والإحسان متحقق في كلِّ أفعاله تعالى ، فيكون شكره لازماً ، ويمكن تقريب الفكرة بمثال تربية الوالدين لأبنائهما ، فإنها وإن كانت أمراً غريزياً جبلّياً ، إلا أنها لازمة الشكر . ج – الدليل الثالث : للقول بوجب الأصلح لازمانِ لا يمكن الالتزام بهما ، أحدهما : كون دخول النار هو الأصلح للكافر ؛ إذ لو لم يكن لكان اللازم عدم إيجاده أو إماتته طفلاً أو سلبه عقله عند بلوغه ، والثاني : كون إماتة الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) مِن ناحية ، وخلود إبليس وجنوده من ناحيةٍ أخرى ، هي الأصلح للعباد ؛ إذ أنَّ هذا هو الذي تحقق خارجاً ، ولا يتحقق بمقتضى القاعدة إلا الأصلح . وأُجيبَ عنه : بأنَّ الأصلح على نحوين : أحدهما الأصلح بلحاظ النظام الكوني كلِّه ، وثانيهما الأصلح بلحاظ كلِّ فردٍ مستقلاً ، أو بلحاظ بعض الأفراد ، فإذا تزاحما قُدِّمَ الأول على الثاني ، وعلى ذلك يتضح أنَّ الأصلح للجماعة المؤمنة وإن كان هو خلود أولياء الله وهلاك أعدائهم ، إلا أنه لم يُعلم كون ذلك هو الأصلح للنظام كلِّه ، وكذلك يُقال بالنسبة إلى دخول الكافر النار حرفاً بحرف . وقد اتضحَّ من خلال جميع ما ذكرناه : أنَّ شيئاً من أدلة المنكرين لقاعدة وجوب الأصلح ، لا يمكن الإذعان به . فالصحيح : هو القول بتمامية القاعدة ؛ والوجه في ذلك : أنّه إذا دارَ الأمرُ بين إيجاد الأصلح وتركه ، أو بينه وبين الصالح ، فإنَّ اختيار الشق الثاني يكون ترجيحاً للمرجوح على الراجح ، وبما أنه قبيح ، فيلزم تنزيه الذات المتعالية عنه . وقد جاءت بعض النصوص مطابقةً لهذا الحكم العقلي ، ومنها : قول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " إنَّ اللهَ ( تباركَ وتعالى ) لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ، ولا يظلم الناس شيئاً " . عودةٌ إلى الجواب : وبعد الفراغ من بيان المقصود من قاعدة ( وجوب الأصلح ) ، نعود إلى بيان كيفية الاستفادة من القاعدة في الإجابة عن الشبهة ، فنقول : إنَّ المرضَ للمريض والفقرَ للفقير هما الأصلح بحالهما ، فلو أبدلهما الله تعالى بالعافية والغنى – مع كون الفقر والمرض هما الأصلح لهما – لم يكن قد وضعَ الشيء في موضعه ، وهذا خلافُ مقتضى العدل الإلهي . وقد جاءت رواياتُ أهل البيت ( عليهم السلام ) موافقةً للبرهان العقلي ، في إثبات أنَّ الله تعالى لا يختار لعبدهِ إلا الأصلح . فوردَ في صحيحة أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قال الله ( عز وجل ) : إنَّ مِن عباديَ المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمرُ دينهم إلا بالغنى والسعة والصحة في البدن ، فأبلوهم بالغنى والسعة وصحة البدن ، فيصلح عليهم أمر دينهم ، وإنَّ من عباديَ المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم ، فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم ، فيصلح عليهم أمر دينهم ، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمرُ دين عبادي المؤمنين . وإنَّ من عباديَ المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي ، فيقوم من رقاده ولذيذ وساده ، فيتهجد لي الليالي ، فيتعب نفسه في عبادتي ، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً مني له وإبقاءً عليه ، فينام حتى يصبح ، فيقوم وهو ماقت لنفسه ، زارئ عليها ، ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي ؛ لدخله العجب من ذلك ، فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله ، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه ؛ لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه ، حتى يظن أنه قد فاق العابدين ، وجاز في عبادته حدَّ التقصير ، فيتباعد مني عند ذلك ، وهو يظن أنه يتقرب إليَّ ، فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي ، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي ، كانوا مقصرّين غير بالغين في عبادتهم كنهَ عبادتي ، فيما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع درجاتي العلى في جواري ، ولكن برحمتي فليثقوا ، وبفضلي فليفرحوا ، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا ، فإنَّ رحمتي عند ذلك تداركهم ، ومني يبلغهم رضواني ، ومغفرتي تلبسهم عفوي ، فإني أنا الله الرحمن الرحيم ، وبذلك تسميت " . وعن داود بن فرقد ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) : " أنَّ فيما أوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمران ( عليه السلام ) : يا موسى بن عمران : ما خلقت خلقاً أحب إلي من عبدي المؤمن ، فإني إنما أبتليه لما هو خير له ، وأعافيه لما هو خير له ، وأزوي عنه ما هو شر له لما هو خير له ، وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي ، فليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، وليرضَ بقضائي ، أكتبه في الصديقين عندي ، إذا عمل برضائي ، وأطاع أمري " . وعن ابن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : " عجبتُ للمرء المسلم لا يقضي الله – عزَّ وجل – لهُ قضاءً إلا كان خيراً له ، وإنْ قُرِّضَ بالمقاريض كان خيراً له ، وإنْ ملكَ مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له " . فتحصلَ : أنَّ الله تعالى – عقلاً ونقلاً – ليس يختار لعبده إلا الأصلح له ، وليس من اللازم أن يكون الأصلح هو الغنى والعافية والراحة ، بل قد يكون أحياناً هو الضيق والمرض والفقر . وتصويرُ أصلحية مثل الفقر والمرض ، يتوقف على فهم وجه الحكمة وراءَ إفاضتها على العبد ، ويُحتمل في وجه الحكمة ثلاثة احتمالات : أ – الاحتمال الأول : تنبيهُ الإنسان من مرض الغفلة ؛ إذ أنَّ كثيراً من الناس لا يكاد يُفيق من غفلتهِ إلا بالمنغصات . وقد أشارت إلى ذلك عدةٌ من النصوص القرآنية ، منها : قوله تباركَ وتعالى : { إنَّ الإنسان ليطغى أنْ رآهُ استغنى } ، وقوله تعالى { ولو بسطَ الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن يُنزّلُ بقدرٍ ما يشاءُ إنه بعبادهِ خبيرٌ بصير } ، وقوله تعالى : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرضَ ونأى بجانبه وإذا مسّهُ الشر فذو دعاء عريض } ، وقوله تباركَ وتعالى : { فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلّهم يتضرعون } . ب – الاحتمال الثاني : تربية الإنسان وصقل شخصيته ، فإنَّ الله تعالى بلطفهِ ورحمته بعدَ أنْ أوجدَ الإنسان تكفلَ بصقلهِ وتربيته ، وليس يتم ذلك إلا عن طريق ابتلائه بالشدائد الصعبة ، التي تتبلور من خلالها ملكاته ، وتتكامل شخصيته . ويمكن تقريبُ الفكرة من خلال تربية الوالدين لطفلهما ، فإنهما إذا عوداه على الغنج والدلال ، نشأَ مهزوزَ الشخصية ، ضعيفَ الملكات ، لا يقوى على مواجهة أدنى الصعاب والمشاكل ، بخلاف ما إذا جعلاه يعتمد على نفسه بشكلٍ جزئي ، ويباشر مواجهة بعض المتاعب المتناسبة مع مرحلته العمرية ، فإنه يكون صلبَ العود قويَ الشخصية . وهذا ما أشارَ إليه أميرُ المؤمنين ( عليه السلام ) بقوله : " إلا وإنَّ الشجرةَ البريةَ أصلبُ عوداً ، والروائعَ الخَضِرَةَ أرقُ جلوداً ، والنباتات العِذْية أقوى وقوداً ، وأبطأُ خموداً " . فاتضحَ من خلال ما ذكرناه : أنَّ اختلاف الحالات – فقراً وغنى ، ومرضاً وعافية ، وهمّاً وفرجاً ، ونحو ذلك – من شخصٍ لآخر ، أو للشخصِ نفسه ، وسيلةٌ من وسائل الصقل والتربية ؛ ولذا وردَ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) بسندٍ صحيح : " إنَّ أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء ، ثمَّ الذين يلونهم ، ثمَّ الأمثل فالأمثل " . ووردَ عنه ( عليه السلام ) أيضاً : " وإنَّ اللهَ ليتعاهد عبده بالبلاء ، كما يتعاهد الغائبُ أهله بالطُرف ، وإنه ليحميه الدنيا كما يحمي الطبيبُ المريض " . وجاءَ في صحيحة محمد بن قيس ، قال : سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : " إنَّ ملكين هبطا من السماء فالتقيا في الهواء ، فقال أحدهما لصاحبه : فيما هبطتَ ؟ قال : بعثني الله – عزَّ وجلَّ – إلى بحر إيل، أحشر سمكةً إلى جبارٍ من الجبابرة اشتهى عليه سمكةً في ذلك البحر ، فأمرني أن أحشر إلى الصياد سمك البحر ، حتى يأخذها له ، ليبلغ الله – عزَّ وجلَّ – غاية مناه في كفره ، ففيما بعثت أنت ؟ قال : بعثني الله - عزَّ وجلَّ – في أعجب من الذي بعثك فيه ، بعثني إلى عبده المؤمن الصائم القائم ، المعروف دعاؤه وصوته في السماء ، لأكفئ قدره التي طبخها لإفطاره ، ليبلغ الله في المؤمن الغاية في اختبار إيمانه " . ج – الاحتمال الثالث : رِفعة الدرجات وعلوُّ المنزلة ؛ ولذا وردَ في صحيحة عبد الله بن أبي يعفور ، قال : شكوت إلى أبى عبد الله ( عليه السلام ما ألقى من الأوجاع – وكان مسقاماً – فقال لي : " يا عبد الله ، لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب ، لتمنى أنه قرض بالمقاريض " . ومن هنا جاءَ عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : " إني لأكرهُ للرجل أنْ يُعافى في الدنيا ، فلا يصيبه شيءٌ من المصائب " . وكيفَ كان ، فسواء كان وجه الحكمة هو الأول أم الثاني أم الثالث ، فكلها تصب في مصلحة الإنسان ، ومتى ما اختار الله تعالى لعبدهِ واحداً من الإبتلائات القاسية ، كالمرض والفقر والضيق ، فمن المقطوع به أنه لم يختر له إلا الأصلح ، وهذا هو مقتضى العدل الإلهي ؛ إذ لو اختار له غير الأصلح لم يكن قد وضعَ الشيء في موضعه اللائق به .