الرئيسية  شبهات و ردود  شبهات عقائدية 

شبهات حولَ العدل التكويني (4)


الشبهة الرابعة : الكوارث والحوادث الكونية . فإنَّ الزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير – التي تفتك بحياة البشر والنباتات والحيوانات وجمال الطبيعة – لا تنسجم هي الأخرى مع عقيدة العدل الإلهي ؛ إذ أنَّ إعطاءَ كلِّ شيء حقه ، ووضعَ كلِّ شيءٍ في موضعه ، يقتضيان المحافظة على جمال الطبيعة ، وحياة الكائنات الحية ، وهذا ما يجعل الكوارث الكونية غيرَ منسجمةٍ مع العدل الإلهي.






مناقشة الشبهة الرابعة : والجوابُ عن هذه الشبهة يتوقف على بيان مقدمتين : أ – المقدمة الأولى : إنَّ الكوارث الكونية على نحوين : فإنها تارة تحدث بمقتضى القوانين الطبيعية التي أودعها اللهُ تعالى في نظام الكون ، وأخرى تحدث كعقابٍ سماويٍ في قبال الذنوب والمعاصي ، كما يُشير إلى ذلك قوله ( تباركَ وتعالى ) : { فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم مَن أرسلنا عليهم حاصباً ومنهم مَن أخذته الصيحة ومنهم مَن خسفنا بهم الأرض ومنهم مَن أغرقنا وما كانَ الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ، وقوله تعالى شأنه : { وضربَ الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } ، وقوله تباركَ وتعالى : { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } . وقول الإمام الرضا ( عليه السلام ) : " كلما أحدثَ العِبادُ من الذنوب ما لم يكونوا يعملون ، أحدثَ اللهُ لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون " ، وقول الإمام الصادق (عليه السلام) : " إنَّ الله تعالى إذا غضبَ على أمة ، ثمَّ لم ينزل بها العذاب ، أغلى أسعارها ، وقصَّرَ أعمارها ، ولم يربح تجّارها ، ولم تغزر أنهارها ، ولم تزكُ ثمارها ، وسلَّطَ عليها شرارها ، وحبس عليها أمطارها " ، وقول الإمام الباقر ( عليه السلام ) : " وجدنا في كتاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة، وإذا طففَ المكيال والميزان أخذهم الله بالسنين والنقص ، وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها " . ب – المقدمة الثانية : إنَّ الآلام التي تعصف بحياة الناس، على مختلف أصنافها ، يمكن تصورها على نحوين : النحو الأول : الآلام التي تُصيبهم مِن قِبِل غيرهم من الناس ، كالقتل والضرب والإيذاء الصادر من الطواغيت . النحو الثاني : الآلام التي تُصيبهم مِن قبل الله تعالى ، كالأمراض والعاهات ونحوها . والسؤال المطروح : أنَّ النحو الثاني من الآلام هل هو محكومٌ بالقُبْح على وزان النحو الأول ؟ أم هو محكومٌ بالحُسْن ؟ وكيف يمكن تصوير حُسْنه ؟ والجوابُ عنه يتوقف على معرفة أقسام الآلام المفاضة من قبل الله تعالى على عباده ، وهي بحسب التصور أربعة : القسمُ الأول : الآلام التي تكون في قبال معصية الله وعدم طاعته ، وهذه لا منازع في حسنها ؛ إذ لا ظلمَ فيها للعباد . القسمُ الثاني : الآلام التي تكون في قِبال دفعِ ضررٍ أكبر ، أو ترتبِ نفْعٍ أكثر ، كالمرض المُفاضِ على بعض الأشخاص من أجل إلزامهم بيوتهم ، دفعاً لبعض الشُرور المقدرة على خروجهم ، كالاصطدام بسيارةٍ ونحوها من الحوادث الأكثر ضرراً من المرض ، أو كألآم الجهاد في قبال المنافع المترتبة عليه ، ولا منازعَ في حُسن هذه الآلام أيضاً ، كما لا يخفى . القسم الثالث : الآلام الجارية بحسب السنن التكوينية ، كما لو أصابت النار شخصاً فاحترق ، بسبب السنة التكوينية الجارية على إحراق النار للأجسام القابلة للاحتراق . وهذا النحو من الآلام لا قبحَ فيه أيضاً ؛ لأنَّ الله تعالى وإن كان قادراً على منع النار من التأثير ، كما في قصة النبي إبراهيم ( عليه السلام ) : { قلنا يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } ، إلا أنَّ التخلية بينه وبين النار لا قبح فيها ؛ وذلك لأنَّ سلبَ الأثر عن النار عند إحراق المؤمن لن يقف عند حد ، بل سيجر إليه أيضاً سلب الأثر عن السيف عند وقوعه على رأس المظلوم ، وسلب الأثر عن السم عند شرب المؤمن منه ، وهذا يستلزم خروج نظام العالم عن كونه نظاماً قائماً على قانون السببية ، إلى نظامٍ آخر لا يتناسب مع مادية هذا العالم . وإذا خرج نظام العالم عن دائرة العلاقات السببية والمسببية ؛ لزمَ من ذلك بطلان معاجز الأنبياء والأوصياء ( عليهم السلام ) ؛ لكونها مبنيةً على خرق قانون العلية . القسمُ الرابع : الآلام المُفاضة من قبل الله تعالى لغيرِ أحد الملاكات المتقدمة ، بل إما عبثاً ، أو ظلماً ، أو لجلب مفسدة . وهذا هو مركز النزاع بيننا وبين الأشعري ، فهو قائلٌ بحسنه ؛ لكون جميع ما يصدر عن الله تعالى حسناً ، ونحن نقول بقبحه ، وعدم صدورهِ عن الذات المتعالية ، بمقتضى قاعدة التحسين والتقبيح العقليين . وقد جاءت نصوص القرآن الكريم والروايات الشريفة طبقاً لما عرضناه ، وإليك بعضها : - قال ( تباركَ وتعالى ) : { فانتقمنا من الذين أجرموا وكانَ حقاً علينا نصرُ المؤمنين } . - وقال ( جلَّ جلاله ) : { ومَا أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } . - وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " إنَّ العبدَ إذا كثُرت ذنوبه ولم يجد ما يكفّرها به ، ابتلاه الله – عزَّ وجلَّ – بالحزن في الدنيا ليكفرها ، فإنْ فعلَ ذلك به وإلا أسقمَ بدنَه ليكفّرها به ، وإلا شدّدَ عليه عند موته ليكفِّرها به ، فإنْ فعلَ ذلك به وإلا عذّبه في قبرهِ ليلقى اللهَ – عزَّ وجلَّ – يومَ يلقاه ، وليس شيء يشهد عليه بشيءٍ مِن ذنوبه " . - وعنه أيضاً ( عليهِ السلام ) : " كانَ فيما أوحى الله – عزَّ وجلَّ – إلى موسى ( عليه السلام ) : أن يا موسى ما خلقتُ خلقاً أحبَّ إليَّ من عبديَ المؤمن ، وإنما أبتليه لما هو خيرٌ له ، وأعافيهِ لما هو خير له " . عودةٌ إلى الجواب عن الشبهة : إذا عرفتَ ما ذكرناه ، فإنَّ الكوارث الكونية إنْ كانت من قبيل النحو الثاني الذي تقدمت الإشارة إليه ضمن المقدمة الأولى ، لم يبقَ وجهٌ لدعوى كونها ظلماً وشراً ، نظراً لما اتضح في المقدمة الثانية : مِن أنَّ الإيلام الذي يكون في مقابل المعصية والتمرد على القوانين الإلهية ، يكون إيلاماً بالاستحقاق ، فلا مجال لدعوى قبحه ؛ لكون سيرة العقلاء جارية عليه . وإن كانت من قبيل النحو الأول : فمن الممكن دفعُ شبهةِ منافاتها للعدل التكويني ، بالالتفات إلى جهتين : أ – الجهة الأُولى : محدودية رؤية الإنسان ، بسبب نظرتهِ للأمور مِن خلال منظارٍ واحد ، فهو يرى لسعةَ الثعبان له أو لغيرهِ شراً ، مع أنها كمالٌ وجوديٌ للثعبان ، يحتاجها لأجل الدفاع عن نفسه ، وليست من الشر في شيء ، لولا محدودية رؤية الإنسان وقياسه الأمور بالإضافة إلى نفسه، ومن خلال زاويته فقط. وهكذا يُقال بالنسبة إلى الحوادث الكونية ، فإنها من خلال منظار الإنسان المحدود تُعد ( كوارث كونية ) ، وإلا فإنه لو لاحظها من خلال جميع جهاتها وجوانبها لم يرها إلا جمالاً وكمالاً . ويمكن توضيح الفكرة من خلال ظاهرة البراكين ، فإنها – كما يذكر علماء الجيولوجيا – ذاتُ فوائد جمة وثمرات عديدة ، يمكننا الإشارة إلى بعضها : - التنفيس عن الضغط والحرارة الزائدين في باطن الأرض ، وبذلك تحافظ الأرض على توازنها واستقرارها ؛ ولولاه لانفجرت الأرض كقنبلةٍ نوويةٍ هائلة . - إخراج بعض المعادن المختزنة في باطن الأرض ، كالكبريت والزئبق مثلاً ، وتكوين بعض المعادن الأخرى ، كالبترول والألماس مثلاً ؛ فإنَّ مناجم الألماس إنما توجد داخل الجبال البركانية ، نتيجة تكون الماس من الكربون المتأثر بالحرارة الشديدة . - إخراج غاز ثاني إكسيد الكربون ، والذي يساعد كثيراً على ضبط حرارةِ الغلاف الجوي . - نبوعُ المياه المعدنية الحارة ، والتي يستفيد منها الملايين من المرضى في علاج الكثير من الأمراض الجلدية والروماتيزمية . وبعد الإحاطة بهذه الثمرات التي يذكرها علماء الأرض ، لو أنَّ الإنسانَ نظرَ إلى البراكين من خلالها ، لوجدَ أنها تُمثِّلُ خيراً وكمالاً لا يُستغنى عنه ، ولكنَّ مشكلة الإنسان أنه ينظر إليها من خلال زاويتهِ المحدودة ، فيخيل إليه كونها شراً محضاً . لا يُقال : إنَّ وجود الفوائد المذكورة لا يُلغي جنبة الشَّر في تلك الظواهر الكونية ، بعد لحاظ ما يترتب عليها من الكوارث والدمار . فإنه يُقال : إنَّ سكنى الإنسان بالقرب من الجبال البركانية ، والمناطق المعرضة للزلازل والهزات ، وإعماره لها عمراناً سكنياً وزراعياً وصناعياً ، يجعله هو المسؤول في الدرجة الأُولى عمّا يترتب على تلك الظواهر من الكوارث والدمار . ب – الجهة الثانية : ظُلم الإنسان لما حوله ، فإنَّ كثيراً من الكوارث الكونية إنما هي نتيجة ظلم الإنسان للبيئة ، وعدوانهِ على جمال الطبيعة ، وتعديه على حقوق الآخرين ، مما يؤدي إلى انتشار الكثير من الأمراض والأوبئة ، وحدوث الكثير من الحوادث والكوارث الكونية . فالدولة – مثلاً – عندما تكون قائمةً بشؤون رعيتها ، ستتخذ إجراءات وقائية سريعة ومتقنة تجاه الحوادث الكونية التي تعصف بأراضيها ، وبذلك ستُجنِّب مواطنيها أضرار الزلازل والأعاصير والفيضانات ونحوها ، بينما لو كانت الدولة جائرةً على حقوق ساكنيها ، ولم تتخذ أيَّ إجراءٍ وقائيٍ لحماية الإنسان وما حوله ، فإنَّ ذلك سيؤدي إلى تحول الحوادث الكونية إلى كوارث مأساوية مدمّرة . ولعلَّ هذه الجهة هي التي أشارَ إليها القرآن الكريم في عدةٍ من آياته المباركات ، ومنها قوله تعالى : { إنَّ الله لا يظلم الناس شيئاً ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون} ، وقوله : { وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ، وقوله : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } ، وقوله تعالى : {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } . والحمد لله ربِّ العالمين