الرئيسية  شبهات و ردود  شبهات عقائدية 

الشبهات المرتبطة بالعدل التشريعي ( 2 )


الشبهة الثانية : المنع من تصدي المرأة لمنصبي القضاء والإفتاء ، فإنَّه بما أنَّ المعروف بين علماء الطائفة المحقة ( أعزَّ اللهُ كلمتهم ) اشتراط الرجولةِ في كلٍ من القاضي ومرجع التقليد ، فهذا يوجب القول بعدم عدالة التشريع ؛ نظراً لتفضيلهِ الرجلَ على المرأة في هذا الجانب .






مناقشةُ الشبهة الثانية : ويمكن أنْ يُجاب عن هذه الشبهة أيضاً ببيان نقطتين : أ – النقطة الأُولى : إنَّ طبيعة تكوين المرأة تختلف عن طبيعة تكوين الرجل ، فإنَّ طبيعةَ تلك – بمقتضى موقعيتها التكوينية – ممزوجةٌ بالعاطفة المرهفة والمشاعر الرقيقة ، بينما طبيعة هذا – بمقتضى موقعيتهِ التكوينية – ممزوجةٌ بالخشونةِ والصلابة . وبما أنَّ بعض الوظائف بطبيعتها تحتاج إلى الشدة والصرامة ، وبعض الوظائف الأخرى بطبيعتها تحتاجُ إلى اللطف والرقة ؛ والشارع قد أخذَ على نفسه أنْ يجعل عالم التشريع منسجماً مع عالم التكوين ؛ لذلك فتحَ بابَ بعض الوظائف أمامَ الرجل ، وأوصده أمام المرأة ، وبالعكس ، فجعلَ وظيفة الإنفاق على عاتق الرجل دون المرأة ؛ لتناسبهِ مع طبيعته التكوينية ، من جهة احتياجه إلى القوة والصلابة ، بينما جعل وظيفة الحضانة حقاً للمرأة دون الرجل ؛ لتناسبها مع طبيعتها التكوينية ، من جهة احتياجها إلى الأحاسيس المتدفقة والمشاعر الجياشة 1 . ومن هذا المنطلق اعتُبرت الرجولة في القاضي ومرجع التقليد ؛ إذ أنَّ هذين المنصبين يحتاجان إلى المزيد من الشدة والصرامة ، ولا ينسجم معهما توهجُ العاطفة وتدفقُ المشاعر ، مما أوجبَ أن يَقصِرَ الشارعُ هذين المنصبين على الرجل دون المرأة ، حفاظاً منه على نكتة التطابق بين عالم التكوين وعالم التشريع . ب – النقطة الثانية : إنَّ المتتبع لتعاليم الشارع الأقدس يستنتج أنَّ احتجاب المرأة وابتعادها عن مواطن الاختلاط بالرجل ، هو مذاق الشريعة المقدسة 2 ؛ إذ أنَّ أنثوية المرأة – بما تختزنه من قسمات الجمال الفاتن ، وملامح اللطف والرقة – عند إزالة الجدار الفاصل بينها وبين الجنس الذكوري – الميال بطبعهِ إلى الجنس الأنثوي – ستكون منطلقاً لإثارة الفتنة الاجتماعية ، وهذا ما دعا الشرع الشريف إلى تأسيس عدةٍ من التعاليم الدينية التي تهدف إلى الفصل بين الجنسين في الحياة العامة . وإذا كان هذا هو مذاق الشريعة ، فيلزم أن تكون قوانينها وأحكامها منسجمةً مع مذاقها ، وبما أنَّ تصدي المرأة للقضاء والإفتاء – الذي يعني الرئاسة العامة للطائفة الشيعية – يلازم انفتاح المرأة على الجنس الآخر ، وتداخلها معه ، وهذا ما يسعى الشارع إلى منعه ، فيلزمه – حفاظاً على تعاليمه المقدسة ومقاصده السامية – أنْ يحول دون تحقق ذلك على مستوى هذه الجزئية ، ولا يتم له ذلك إلا بأخذ قيد الرجولة في كلٍ من القاضي ومرجع الفتيا والتقليد . وهذا ما أشارَ إليه السيد الخوئي ( قده ) بقوله : " قد استفدنا من مذاق الشارع أنَّ الوظيفة المرغوبة من النساء إنما هي التحجب والتستر ، وتصدي الأمور البيتية ، دون التدخل فيما ينافي تلك الأمور ، ومن الظاهر أنَّ التصدي للإفتاء بحسب العادة جعلٌ للنفس في معرض الرجوع والسؤال ؛ لأنهما مقتضى الرئاسة العامة للمسلمين ، ولا يرضى الشارع بجعل المرأة نفسها معرضاً لذلك أبداً " 3 - 4 . =============== 1 - ثبوت حق الحضانة للأم على ولدها – ذكراً كان أو أنثى – لمدة سنتين ، مما لا خلاف فيه ، وذهب بعض الفقهاء إلى امتداده حتى السنة السابعة ، ولكنه محل خلاف . 2 - يمكن استظهارُ ذلك من خلال تتبع نصوص المشرِّع ، والتي سوف أقوم بسرد بعضها ، مع غض النظر عن أسانيدها ودلالاتها ، وإفتاء الفقهاء ( رضوان الله عليهم ) على طبقها وعدمه ، وإن كانَ بعضها سيضطرني إلى التعليق عليه بنحوٍ يرفع ما يكتنفه من إبهام ، وإليكها : - قال تبارك وتعالى : { وقرنَّ في بيوتكن ولا تبرجنَّ تبرج الجاهلية الأولى } . - ووردَ عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " صلاة المرأة وحدها في بيتها كفضل صلاتها في الجمع خمساً وعشرين درجة " . - وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : " ليس للنساء من سروات الطريق شيء ، ولكنها تمشي في جانب الحائط والطريق " . والمراد من السروات : أواسط الطرقات . - وعن أم سلمة قالت : كنتُ عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعنده ميمونة ، فأقبلَ ابنُ أم مكتوم ، وذلك بعد أن أُمرَ بالحجاب ، فقال : احتجبا ، فقلنا : يا رسول الله ، أليس أعمى لا يبصرنا ؟ فقال : أفعمياوان أنتما ، ألستما تبصرانه ؟! . - وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : ونهى أن تتكلم المرأة عند غير زوجها ، أو غير ذي محرم ، أكثر من خمس كلمات مما لا بد لها منه " . - وعن سيد الشهداء الحسين ( عليه السلام ) أنه قال : " إنَّ الجهاد مرفوع عن النساء " . - وعنه ( عليه السلام ) : خُلقَ الرجال من الأرض ، وإنما همهم في الأرض ، وخلقت المرأة من الرجال ، وإنما همها في الرجال ، احبسوا نساءكم يا معاشر الرجال " . والمراد من الحبس ليس منع المرأة من الخروج مطلقاً ، وإنما الحد من اختلاطها بالرجال . - وعنه ( عليه السلام ) أيضاً موصياً ولده الإمام الحسن ( عليه السلام ) : " واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن ، فإنَّ شدة الحجاب خير لك ولهنَّ من الارتياب ، وليس خروجهن بأشد من دخول من لا يوثق به عليهن ، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك من الرجال فافعل " . - وعن الصديقة الطاهرة الزهراء ( عليها السلام ) أنها قالت : " ما من شيءٍ خيرٌ للمرأة من أن لا ترى رجلاً ولا يراها " . - وعنها ( صلواتُ الله وسلامه عليها ) أيضاً أنها قالت : " إنَّ أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها " . - وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : " لا تؤم المرأة الرجال ، وتصلي بالنساء " . - وأيضاً عنه ( عليه السلام ) : " صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها ، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في الدار " . 3- التنقيح في شرح العروة الوثقى : 1 / 187 . 4- وقال المرجع الديني السيد الگلپايگاني (قده) في كتاب القضاء : 1 / 47 : قوله تعالى : { وقرن في بيوتكن } استلزام تصدي المرأة القضاء للخروج عن البيت ، وإسماع صوتها الرجال ، وغير ذلك من الأمور المنهي عنها في الشرع في غاية الوضوح ، وتعيير الأصحاب والصحابيات عائشة بنت أبي بكر على خروجها من بيتها إلى البصرة – من هذه الجهة – ونهيهم إياها عن الخروج ، وتذكيرهم لها بأمر الله وحكمه بأنْ تقرَّ في بيتها مشهورٌ " .