الرئيسية  شبهات و ردود  شبهات عقائدية 

نقدُ الشـبهاتِ المُثارة حولَ أحاديثِ الـــبكاء








نقدُ الشـبهاتِ المُثارة حولَ أحاديثِ الـــبكاء تمهيدٌ : يستخدمَ الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أسلوبين من أجل التنبيه على أهمية بعض الحقائق، وهما: 1 – الأسلوب الأول: أسلوب المُنبِّه الكيفي، وهو الأسلوب الذي يعتمد عرض المضامين المثيرة، أو التغليظ في لغة الخطاب، فمثلاً: يقول الفقهاء: إنَّ غسل يوم الجمعة هو أهم الأغسال المستحبة بنظر الشارع، وقد استفادوا ذلك من خلال استخدام الشارع لأسلوب المُنبِّه الكيفي تنبيهاً على أهميته، نظير قول النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (ع): "فاغتسل في كل جمعة، ولو أنك تشتري الماء بقوت يومك وتطويه" ، فإنَّ مضمون هذه الرواية مضمونٌ مثير؛ إذ أنَّ المستفاد منها أنه إذا كان عند الإنسان مالٌ لا يكفي إلا لأحد أمرين فقط: أحدهما شراء ماءٍ ليغتسل به غسل الجمعة، والآخر شراء قوت يومه، فإنَّ شراء الماء لغسل الجمعة أفضل، وهذا يدل بوضوح على أهميته. ومثلُ ذلك ما وردَ في صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (ع) قال :"درهمُ ربا أشدُّ مِن سبعين زنية كلُّها بذات محرم " ، فإنَّ هذا النحو من الخطاب ذي اللهجة الشديدة كاشفٌ عن أهمية حرمة الربا لدى الشارع المقدس. 2 – الأسلوب الثاني: أسلوب المُنبِّه الكمي، وهو الأسلوب الذي يعتمدُ عمليةَ تكرار الخطاب، فلا يكتفي الشارع بخطابٍ واحد، بل يتناول القضية التي يريد الحديث عنها عبر خطابات كثيرة ومتنوعة، للتنبيه على أهمية القضية، وليس بالضرورة أن يكون المضمون في شيء منها مثيراً، كما هو الحال في أحاديث عقيدة (الرجعة) فإنها قد ناهزت المائتين حديثاً – بحسب إحصاء العلامة المجلسي (قده) – والثلاثمائة حديثاً – بحسب إحصاء الشيخ الحر العاملي (قده)، مع اعترافه بعدم التتبع التام - وهكذا الحال في مسألة (القياس) المحرم، فإنَّ الروايات الواردة في النهي عنه – بحسب تتبع المحقق السيد الخوئي (قده) – تناهز الخمسمائة رواية . ومن الواضح أنَّ هذا النحو من تكثّر الخطابات حول موضوع واحد يكون كاشفاً بالضرورة عن أهميته لدى الشارع. إذا عرفتّ ذلك فإنَّ الشارع المُقدَّس قد استخدمَ كلا الأسلوبين للتنبيه على أهمية شعيرة البكاء، فإنه من ناحيةٍ قد كرَّر الحديث عن شعيرة البكاء كثيراً، ومن خلال خطاباتٍ عديدة ومختلفة، أنهاها بعض المحققين إلى خمسمائة رواية وأكثر، ومِن ناحيةٍ أخرى فإنه قد تحدث عن هذه الشعيرة بمضامين مثيرة جداً، وكان من ضمن المُنبِّهات المثيرة التي عرضها الأئمة الأطهار (عليهم السلام) بيان عدم محدودية ثواب البكاء، حيث ورد في الرواية عن الإمام الصادق (ع): "لكلِّ شيءٍ ثوابٌ إلا الدمعة فينا" ، وهي صريحة في أنَّ الدمعة على سيد الشهداء الحسين (ع) لا يمكن إحصاء ثوابها، ومثلها من الروايات التي تحدثت عن ثواب البكاء على الحسين (ع) كثيرة جداً، وعلى طوائف مختلفة، وبألسنة متعددة ومثيرة للغاية. وقد بيَّنت الروايات الشريفة بعض مصاديق ومظاهر ثواب البكاء، باعتباراتٍ مختلفة ومتعددة؛ نظراً لكون كلَّ الثواب مما يتعذر إحصاؤه، ولا بدَّ من عرض هذه الروايات أولاً، ثمَّ التعقيب عليها ببيان وجه الإشكال فيها. الرواية الأولى: عن الإمام علي بن الحسين (ع): "أيما مؤمن ذرفت عيناه لقتل الحسين (ع) حتى تسيل على خده بوّأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً " . الرواية الثانية: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر (ع) قال: "أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (ع) دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً " . الرواية الثالثة: عن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبو عبد الله (ع):"مَن ذكر الحسين عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله، ولم يرض له بدون الجنة" . الرواية الرابعة: عن الإمام الصادق (ع): "من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر " . الرواية الخامسة: عن إبراهيم بن أبي محمود قال : قال الرضا (ع): "فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنَّ البكاء عليه يحطُّ الذنوب العظام" . الرواية السادسة : عن الريان بن شبيب، عن الإمام الرضا (ع) أنه قال: "يا بن شبيب إن بكيت على الحسين (ع) حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً " . والمتحصّل من هذه الروايات وأمثالها: أنَّ البكاء على سيد الشهداء الحسين (ع) يتنوع بين غفران الذنوب – مهما كانت – ودخول الجنة ونحو ذلك. إذا عرفتَ ذلك فإنه يُطرح على هذه الروايات إشكالان: الإشكال الأول : إشكال الإغراء . ومحصلّه: أنَّ هذه الروايات لا يمكن قبولها؛ لأنَّ لازمها إغراء المؤمنين وخديعتهم، بداهةَ أنَّ الناس لو اعتقدوا أنَّ البكاء على الحسين (ع) يغفر كافة الذنوب – كما هو مفاد بعض الروايات المتقدمة – فإنَّ هذا يفتح أمامهم باب الإغراء بالمعصية، فيقدمون على اقترافها تعويلاً على ما سينالهم من المغفرة ببركة بكائهم على سيد الشهداء (ع)، فلا محيصَ عن الحكم ببطلان روايات ثواب البكاء. دفعُ إشكال الإغراء: ويمكن أن يُدفع هذا الإشكال ببيان جهتين: الجهة الأولى: الجهة النقضية. وتوضيحُ هذه الجهة: أنه من الممكن أن يُنقض على هذا الإشكال بالقرآن الكريم؛ إذ أنَّ ذات المضمون الموجود في الروايات الحاثة على البكاء موجودٌ أيضاً في بعض آيات القرآن الكريم ، كقوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا  ، وقوله : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ؛ فإنه كما أنَّ روايات ثواب البكاء قد ضمنت غفران الذنوب للباكين، كذلك هاتان الآيتان قد ضمنتا غفران الذنوب لمن اجتنب الكبائر، ولمن لم يُشرك، فهل يصح أن يقال حينئذ: إنَّ هاتين الآيتين الكريمتين أيضاً محرفتان – مثلاً – لأنهما موجبتان لإغراء المؤمنين إما باقتراف خصوص صغائر الذنوب؛ باعتبار أنَّ اجتناب سائر الكبائر يُكفّرها، وإما باقتراف سائر الذنوب – كبيرها وصغيرها – لأنَّ عدم الشرك موجب لتسامح الله تعالى عن سائر الذنوب سواه ؟!! . وكلُّ ما يُجاب به عن هذا الإشكال المتوجِّه إلى هاتين الآيتين الكريمتين فهو نفسه الجواب عن روايات ثواب البكاء؛ إذ أنَّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد. الجهة الثانية : الجهة الحَلّية . وهنالك إجابتان ترجعان إلى هذه الجهة: الإجابة الأولى : إنَّ هذه الروايات التي تتحدث عن ثواب البكاء، وأنه غفران الذنوب أو الجنة، لا يستفاد منها: أنَّ البكاء على سيد الشهداء (ع) علةٌ تامةٌ للفوز بالجنة كنتيجةٍ قطعية ومصير نهائي للباكين عليه (ع)، وإنما هو مؤثر في النتيجة المذكورة على نحو الاقتضاء؛ باعتبار أنَّ النتيجة المذكورة متوقفة على أمور وعوامل أخرى أيضاً. فيكون تأثير البكاء في غفران الذنوب والفوز بالجنة نظير تأثير النار في الإحراق، فكما أنَّ النار لا تُحرِق إلا مع تحققِ الشرط، وهو اقتراب الجسم المحترق منها، وارتفاعِ المانع، وهو الرطوبة، كذلك أيضاً ليس يؤثر البكاء أثره إلا مع تحقق بقية الشروط وارتفاع الموانع، وعلى هذا فلا يمكن الإتكاء على البكاء فقط، مع اجتناب سائر الواجبات وارتكابِ سائر المحرمات. وبهذه الإجابة يُجاب عن أكثر الروايات والأحاديث التي تضمنت مثل هذا النحو من الجزاء، كالواردة بلسان: (مَن فعل كذا فله الجنة) أو (غفر الله ذنوبه) ونحو ذلك. الإجابة الثانية: إنَّ تأثير البكاء في غفران الذنوب والفوز بالجنة، حتى لو كان على نحو العلية التامة، إلا أنه لا يوجب الإغراء بالمعصية؛ وذلك لعدم ضمان العاصي بقاء وجوده بعد المعصية حتى وقت التمكن من إحياء شعيرة البكاء. وبعبارةٍ أخرى: إنَّ احتمال الإنسان لمباغتة الموت له في أيِّ لحظةٍ من لحظات حياته، يمنع من الإقدام على فعل المعصية برجاء تعقيبها بالبكاء على سيد الشهداء (ع) الموجب لمحوها وغفرانها؛ إذ لعلَّ العاصي يباغته الموت حال المعصية أو بعدها فوراً، قبلَ أن يبكي على الإمام الحسين (ع) فتغفر ذنوبه، وهذا ما يحول دون تسبب أخبار ثواب البكاء على سيد الشهداء (ع) في الإغراء بالمعصية. ويمكن تقريب الفكرة بالأحاديث التي تتحدث عن ثواب الحج، فإنَّ بعضها صريحٌ في سببية الحج لغفران الذنوب جميعاً، كقول الإمام الصادق (ع) :"فإذا وقف بعرفات، فلو كانت له ذنوبٌ عددَ الثرى رجعَ كما ولدته أمه " . وهذه الرواية – كما ترى – صريحة في كون أثر الحج هو غفران ذنوب الحاج، ولكنَّ هذا لا يوجب الإغراء بالمعصية؛ وذلك لعدم تكفل هذه الرواية وأمثالها بضمان الحياة للإنسان العاصي حتى يتمكن من أداء فريضة الحج المباركة، وهكذا يقال بالنسبة لروايات ثواب البكاء على سيد الشهداء (ع). الإشكال الثاني : عدم التناسب بين حجم العمل وحجم الجزاء. والإشكال الثاني المُثار حول روايات ثواب البكاء، هو: عدم الانسجام بين مقدار العمل ومقدار الجزاء المذكور فيها، فقول الإمام الصادق (ع): "مَن ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر " ، يُستفاد منه أنَّ العمل البسيط الذي لا يتجاوز دمعةً بمقدار جناح البعوض يترتب عليه جزاء كبير جداً، وهو غفران الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر، ومن الواضح أنَّ عدم التناسب بين مقدار العمل ومقدار الجزاء شاهدٌ بكون هذه الروايات مكذوبة على الأئمة (عليهم السلام). الجواب عن الإشكال الثاني: وقد ذُكرتْ ثلاث إجابات عن هذا الإشكال: 1 / الإجابة الأولى: ما أجاب بها بعض المعاصرين، وحاصلها: أنَّ روايات ثواب البكاء على الإمام الحسين (ع) ليس لها إطلاق زماني، بل هي روايات محدودة بفترة زمنية محددة، وهي الفترة التي كانت تسيطر فيها الحكومتان الأموية والعباسية، حيث كانت في ظلهما تحارب الشعائر الحسينية، وتتعرض إلى أقسى حملات المواجهة العنيفة. فكان البكاء في تلك الحقبة الزمنية يعدُّ نوعاً من الجهاد في سبيل ترسيخ الشعائر الدينية؛ ولأجل كونه جهاداً ترتب عليه الجزاء الكبير، الذي أوضحته الروايات المتقدمة . مناقشة الإجابة الأولى: ويُلاحظ على هذه الإجابة: أولاً: إنَّ جُلَّ روايات ثواب البكاء – إنْ لم نقل: كلها – مطلقةٌ من حيث الزمان، بحيث تشملُ جميع الأزمنة حتى يوم القيامة، فتقييدها بزمانٍ معين يحتاج إلى دليل، وهو مفقودٌ في المقام؛ إذ ما جاء في كلمات أصحاب هذه الإجابة لا يتجاوز دائرة الاستحسان، والاستحسانُ لا يرقى إلى مستوى الدليل، بل هو مجرد ظن – إنْ لم يكن وهماً – لا يغني عن الحق شيئاً. وثانياً: إنَّ هنالك طائفة من روايات ثواب البكاء ينطبق عليها ما يذكره علماء الأصول: مِن أنها رواياتٌ تأبى التقييد، ومرادهم من ذلك الروايات المطلقة التي يأبى لسان الإطلاق فيها من التقييد بأيِّ مقيّدٍ كان، كما لو كانت نصاً في الإطلاق . ومن تلك الروايات المطلقة الآبية عن التقييد: ما وردَ عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) مخاطبـًا الصديقة الطاهرة الزهراء (عليها السلام): "يا فاطمة، إنَّ نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجددون العزاء جيلاً بعد جيل في كلِّ سنة، فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال، وكل من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنة، يا فاطمة، كل عين باكية يوم القيامة، إلا عين بكت على مصاب الحسين فإنها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة " . وهذه الرواية الشريفة – كما ترى – صريحة جداً في أنَّ كل باكٍ على سيد الشهداء الحسين (ع) على طول الزمان، وجيلاً بعد جيل، مشمول لشفاعة النبي والصديقة الزهراء "صلوات الله عليهما"، وجزاؤه الجنة، ومثل هذه الرواية – لكونها نصَّاً في الإطلاق الزماني – يمتنع حملها على خصوص زمن الحكومتين الأموية والعباسية؛ لكون إطلاقها – كما قد اتضح – من سنخ الإطلاق الذي يأبى التقييد. 2 / الإجابة الثانية: وحاصلها: أنَّ الإشكال خاطئ من أساسه؛ لأنه مبني على المعادلة البشرية العقلائية القائمة على المساواة بين الجزاء والعمل، والحال أنَّ المعادلة الإلهية على خلاف ذلك، كما تشهد بذلك الآيات القرآنية المباركة، كقوله : مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ، وقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، وقوله : وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ . فظهرَ من خلال هذه الآيات الشريفة: أنَّ المعادلة الإلهية – في مسألة العمل والجزاء – مختلفة تماماً عن المعادلة البشرية، فإنَّ المعادلة الإلهية قائمة على أن الجزاء ليس محدوداً بمقدار العمل القربي، بل يكون أضعافاً مضاعفة له، بينما المعادلة البشرية قائمة على المساواة بينهما، وقد خلطَ صاحب الإشكال بين المعادلتين، فبنى إشكاله على المعادلة البشرية، والحال أنَّ ما نحن فيه من موارد المعادلة الإلهية؛ لكون البكاء على الإمام الحسين (ع) واحداً من الأعمال العبادية القربية، التي يكافئ الله تعالى عليها بما تتعلق به مشيئته من الثواب. 3 / الإجابة الثالثة: وحاصلها: أنَّ الجزاء الإلهي لا يترتب على العمل بمفرده، بل يترتب على العمل بما له من الآثار والعناوين المترتبة عليه، وبالتالي فقد يكون العمل – في حدِّ ذاته – بسيطاً، ولكن آثاره والعناوين المنطبقة عليه تكون كبيرة. ومثال ذلك: قول الإمام الصادق (ع): "من قال لا اله إلا الله مخلصاً دخل الجنة " ، فإنَّ قول "لا إله إلا الله" في حدِّ نفسه قد يبدو عملاً بسيطاً، ولكنه بلحاظ ما يترتب عليه من آثار وعناوين، كالمساهمة في نشر كلمة التوحيد وترسيخها، وتكثير سواد أهل الإسلام، يكون عملاً كبيراً جداً. ومن هذا الباب أيضاً: قول الإمام الصادق (ع): "أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة: الصلاة على محمد وأهل بيته " ، فإنَّ الصلاة على محمد وآله – كمجرد ذكرٍ في اللسان – قد تبدو عملاً بسيطاً، ولكنَّ هذا العمل البسيط له أثرٌ عظيمٌ جداً، وتترتب عليه عناوين كبيرة، كعنوان الولاء لآل محمد (عليهم السلام)، في مقابل لعن أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، الذي يترتب عليه عنوان البراءة من أعدائهم، ومما لا إشكال فيه ولا شبهةَ تعتريه أنَّ عنوان الولاء لآل محمد (عليهم السلام) من أكبر العناوين وأهمها؛ لأنه مساوقٌ لعنوان الإيمان، فلا بدعَ في ترتب كلِّ ذلك الثواب عليه. وهكذا هو البكاء على سيد الشهداء (ع) أيضاً، فإنَّ الدمعة عليه التي تكون بمقدار جناح الذباب، وإن كانت عملاً بسيطاً، إلا أنَّ العناوين المترتبة عليها آثار كبيرة جداً، فإنها عنوان الانتماء للحسين (ع) ونهجه وقيمه ومبادئه، كما أنها صرخة مدوّية في وجه كلِّ المحاربين لشعائر الحسين (ع) الذين يتواجدون في كلِّ زمان ومكان، وبالتالي فهي من حيث الآثار كبيرة جداً، فلا بدعَ أن يترتب عليها من الثواب ما هو أكبر وأكبر. والمحصلّة النهائية: أنَّ إشكال عدم الانسجام بين مقدار العمل ومقدار الجزاء إشكال منقوض ومدفوع بالبيان الذي أوضحناه. فيبقى البكاء على سيد الشهداء (ع) قنطرة الغفران، ووسيلة التقرب إلى الله، والوصول إلى الجنة؛ ولهذا كان الأنبياء (عليهم السلام) – كما جاء في الروايات المستفيضة – ومنهم نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله) يتقربون إلى الله بالبكاء على الحسين (ع) مِن قبل أن يُقتل الإمام الحسين (ع).