الرئيسية  شبهات و ردود  شبهات عقائدية 

شبهات حولَ العدل التكويني (1)


الشبهة الأُولى : اختلاف الطاقات والقابليات ، كالقدرات الذهنية والقوى البدنية ؛ إذ أنَّ العدل بما أنه وضع الشيء في موضعهِ اللائق به ؛ فهو يقتضي أن تُوضعَ القُدرات والطاقات على أكملِ وجهٍ عند ذويها ، وإلا لم يكن التكوين متناسقاً والخِلْقةُ متكاملة عند أصحاب البنية البدنية الضعيفة وذوي التفكير الاعتيادي بالقياس إلى أصحاب الُبنية القوية وذوي الذكاء العالي . وعليه : فاختلاف مستويات الذكاء مِن شخصٍ لآخر ، والتفاوت في القوة والضعف ، يُثير علامة استفهامٍ حول موقعية العدل الإلهي من هذه القابليات المتفاوتة والطاقات المختلفة .






مناقشة الشبهة الأُولى : ويُمكن أنْ يُجابَ عن هذه الشبهة : بأنَّ الاختلاف ضرورةٌ يقتضيها نِظامُ الخِلْقة ، فكما أنَّ البشر لو كانوا جميعاً رجالاً ؛ لانعدمَ التناسل وانقرضَ النوع ، ولو كانت كلُّ النباتات نوعاً واحداً ؛ لاندثرت صورةٌ من أروع صور الجمال في الكون ، مما يؤكد بالضرورةِ لابديةَ الاختلاف ، حتى عدّهُ القرآنُ الكريم آيةً من آيات الله ، فقالَ تعالى : { ومن آياتهِ خلقُ السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنَّ في ذلك لآيات للعالمين } ، وقد اعترفَ بذلك العالم الأوربي ( نيوتن ) حيث قال : " لا تشكوا في الخالق ، فإنه مما لا يُعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قائد الوجود ؛ لأنَّ ضرورةً عمياء متجانسة في كلِّ مكانٍ وزمان ، لا يُتصور أنْ يصدر منها هذا التنوع في الكائنات " . كذلك يقتضي نظامُ الخِلْقةِ بالضرورة أيضاً اختلافَ القابليات والطاقات قوةً وضعفاً ؛ ولعلَّ واحداً من وجوه الحكمة في ذلك – التي تعكس ضرورة الاختلاف والتفاوت – ما أشارَ إليه القرآنُ الكريم في قوله تبارك وتعالى : { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الدار الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً } ، فإنه ظاهرٌ في كون ملاك الاختلاف هو تبادل الخدمة الاجتماعية بين أفراد المجتمع ، بداهةَ أنَّ القابليات لو كانت متساويةً عند الكُّل ، لاتجهَ الجميعُ توجهاً واحداً ، ولم يستفد بعضهم من البعض الآخر . بينما نظام الحياة الدنيوية يتوقف على أن يكون البعضُ طبيباً ، والآخرُ فلاحاً ، والثالث نجاراً ، والرابعُ خبازاً ، والخامسُ بنَّاءاً ، وهكذا ؛ ليكون الفلاح مسخراً للطبيب ، والطبيب مسخراً للفلاح ، وكلاهما مسخرين للنجار ، والنجار مسخراً لهما ، وبذلك تستمر عجلة الحياة في التحرك ، ولولا اختلاف الطاقات والقابليات قوةً وضعفاً ؛ لتلونَ الجميعُ بلونٍ واحد ، وتوقفت الحياة عن الحركة . ولا يبعد استظهارُ ذلك من قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " لا يزال الناسُ بخيرٍ ما تفاوتوا ، فإذا استووا هلكوا " . بل هو صريحُ قولهِ ( عليه السلام ) : " خالف بحكمتهِ بينَ هممهم ، وإرادتهم ، وسائر حالاتهم ، وجعل ذلك قواماً لمعايش الخلق ، وهو الرجل يستأجر الرجل في ضيعته وأعماله وأحكامه وتصرفاته وأملاكه ، ولو كان الرجل منا يضطر إلى أن يكون بنَّاءً لنفسه ، أو نجاراً ، أو صانعاً في شيءٍ من جميع أنواع الصنائع لنفسه ، ويتولى جميع ما يحتاج إليه من إصلاح الثياب ، وما يحتاج إليه من الملك فما دونه ، ما استقامت أحوال العالم بتلك ، ولا اتسعوا له ، ولعجزوا عنه ، ولكنه – تباركَ وتعالى – أتقنَ تدبيره ، وأبانَ آثارَ حكمته ؛ لمخالفته بين هممهم ، وكلّ يطلب مما تنصرف إليه همته ، مما يقوم به بعضهم لبعض ، وليستغني بعضهم ببعض في أبواب المعايش التي بها صلاح أحوالهم ". والخلاصة : فإنَّ العدل الإلهي – المقتضي لثبوت الحكمة ووجوب الأصلح ، كما تقدم – يقتضي أن تتفاوت القابليات من شخصٍ لآخر ؛ ليستقيم بذلك نظام الحياة .