الرئيسية  شبهات و ردود  شبهات عقائدية 

الشبهات المرتبطة بالعدل التشريعي ( 4 )


4 – الشبهة الرابعة : المنعُ من تعدد الأزواج . ولها بعدان : أ / البعد الأول : إنَّ تشريعَ قانون التعدد للرجل دونَ المرأة ، وتغليبَ جانب رغباته وميولهِ على جانب رغبات المرأة وميولها ، يؤدي إلى جرحِ مشاعر المرأة ، وإيذاء أحاسيسها المرهفة ، وهذا ما لا يلتقي مع ما تقتضيه عدالة التشريع . ب / البعد الثاني : إنَّ مقتضى العدل التشريعي تحليلُ التعدد للمرأة كتحليلهِ للرجل والمساواة بينهما ، وإلا كان التشريع المذكور ظلماً للمرأة ، وتعدياً على حقوقها .






مناقشةُ الشبهة الرابعة : ويُمكن أنْ يُجاب عن هذه الشبهة – ببعديها – بجوابين : أ – الجواب الأول : ما يطرحه الحداثيُ المعاصر ( نصر حامد أبو زيد ) من استظهار حرمة التعدد مِن نصوص القرآن الكريم ، بدعوى : أنَّ آية تشريع التعدد ، وهي قوله تعالى : { فأنكحوا ما طابَ لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع } مذيلةٌ بقولهِ تعالى : { وإنْ خفتم أنْ لا تعدلوا فواحدة }، وهذا الذيل مشتملٌ على بُعدٍ مضمرٍ مسكوتٍ عنه في الخطاب ، وهو : هل يمكن العدل ، أم لا ؟ ويمكن تحديدُ هذا البُعد المضمر مِن خلال آيةٍ قرآنيةٍ أخرى ، وهيَ قوله تعالى : { لن تستطيعوا أنْ تعدلوا بين النساء ولو حرصتم } ، فتكون النتيجة : عدم جواز التعدد ؛ لتصريح القرآن بعدم إمكان تحقق شرط الجواز ، وهو العدل . مناقشةُ الجواب الأول : ويُلاحظ عليه : أنَّ الآيةَ الثانية مذيلةٌ بما يدل على نظرها لخصوص العدل القلبي ، حيث تقول : { لن تستطيعوا أنْ تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كلَّ الميل فتذروها كالمعلقة } ، وذيلها هذا يعني أنَّ العدل القلبي محالٌ تحققه ، ولكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أنْ يُفرطَ في ميله لإحدى نسائهِ دون الأخرى ، بحيث يذر الأخرى كالمعلقة ، فلا هي بذات زوجٍ ولا هيَ بمطلقة . وبذلك يُفهم وجهُ عدم التنافي بين الآيتين ، فإنَّ هذهِ – بقرينة ذيلها – ناظرةٌ إلى العدل القلبي ؛ ولذا صرّحت بعدم إمكانه ، بينما تلك الآية ناظرةٌ إلى العدل غير القلبي – كالعدلِ في القَسَم بين الزوجات – ولذا ألمحت إلى إمكانه . وخلاصةُ هذا الجواب مستلهمةٌ من إجابة الإمام الصادق (عليه السلام) عن شبهة ابن أبي العوجاء ، حين قال لهشام بن الحكم : أليس اللهُ حكيماً ؟ قال : بلى ، هو أحكم الحاكمين ، قال : فأخبرني عن قول الله : { فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } أليس هذا فرض ؟ قال : بلى ، قال : فأخبرني عن قوله : { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل } أيُّ حكيمٍ يتكلمُ بهذا ؟ فلم يكن عنده جواب ، فرحلَ إلى المدينة ، إلى أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، فقال له : " يا هشام في غير وقتِ حجٍ ولا عمرة ؟ قال : نعم جعلتُ فداك لأمرٍ أهمني ، إنَّ ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء ، قال وما هي ؟ فأخبره بالقصة ، فقال له أبو عبد الله ( عليه السلام ) : أما قوله ( عزَّ وجلَّ ) : { فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإنْ خفتم ألا تعدلوا فواحدة } يعني في النفقة ، وأما قوله : { لن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } يعني في المودة ، فلما قدمَ عليه هشام بهذا الجواب ، قال : والله ما هذا من عندك " . هذا مضافاً إلى أنَّ الآية الأُولى : { فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإنْ خفتم ألا تعدلوا فواحدة} صريحةٌ في جواز التعدد، فلو كان الجواز معلقاً على شرطٍ ممتنع التحقق ؛ لكانَ تشريعه لغواً ، واللغو لا يصدر عن الحكيم . ب – الجواب الثاني : وهو يرتكز على نقطتين : النقطة الأُولى : إنَّ البُعْدَ الأول من الشبهة يتكئ على مغالطةٍ فاضحة ؛ إذ أنه قد شيّدَ بناءَ الشبهة على مقدمةٍ غير مسلمة ، وهي : قبحُ جرحِ المشاعر بشكلٍ مطلق ، مع أنَّ هذه المقدمة – كما سيتضح – غيرُ قابلة للتسليم . ووجهُ ذلك : أنَّ جرحَ المشاعر تارةً يكون جرحاً عدوانياً وظالماً ، كما يحصل بشتم الزوج لزوجته أو ضربه لها ، وأخرى يكونُ نتيجةَ تصرفٍ يؤدي إليه ، ولكن لا بسبب محض التصرف ، وإنما هو بسبب نقصٍ في نفس المجروح ، نظير مَن يقومُ بفتح متجرٍ بجانب متجرٍ آخر ، فإنه بذلك – سيما إذا أدى إلى ضعف حركة المتجر الآخر – يتسبب في جرح مشاعر صاحبه ، ولكنَّ هذا في الحقيقة ليس بسبب فتح المتجر في حدِّ نفسه ، وإنما هو بسبب رذيلة الأنانية المتغلغلة في أعماق النفس ، فإنها هي الباعث على الألم والتأثر من منافسة الآخرين للإنسان في نفس مهنته . ومما ذكرناه يظهر : أنَّ قبح جرح المشاعر لا يتجاوز الصورة الأولى ، وأما الصورة الثانية ؛ فلأنَّ انجراح المشاعر فيها إنما هو بسبب آفات النفس ونقائصها ، لذلك فهي غير مشمولة للقبح . ومن الواضح جداً : أنَّ انجراح المشاعر الذي يحصل للزوجة نتيجة اقتران زوجها بأخرى ، إنما هو من مصاديق الصورة الثانية ؛ لكون الأنا فيه هي سيدة الموقف ، إذ لولا رغبة الزوجة في توحدها بزوجها بشكلٍ كامل ، والسيطرة عليه في حدود مملكتها الخاصة ، لم يكن لزواجهِ بغيرها أيُّ تأثير على مشاعرها ، والشاهد على ذلك أنَّ الزوجة مهما تأصرت علاقات زوجها بأصدقائه وتعمّقت ، فإنَّ ذلك لا يؤثر على مشاعرها ، بينما زواجه بغيرها ولو لم يكن بذلك المستوى من العمق ، إلا أنه يعصف بمشاعرها بكلِّ قوة ، وليس لذلك من سِّر إلا أنَّ الزوجة في الحالة الأُولى لا ترى الأصدقاء يزاحمونها في توحدها بزوجها – الذي تتطلبه نزعةُ الأنا عندها – بينما في الحالة الثانية تشعر بخروج الزوج عن حدود مملكتها ، كواحدٍ مِن ممتلكاتها التي تحب أن تتفردَ بها بمقتضى أنانيتها ، فلا يكون جرحُ مشاعرها في هذه الصورة مما يستقبحه العقل . النقطة الثانية : وأما بالنسبة إلى البُعْدِ الثاني من الشبهة – وهو : ظلمُ المرأة بقَصْرِ حق التعدد على الرجل دونها – فقد يجاب عنه (1) : بأنَّ قَصْرَ الحق على الرجل فقط إنما هو بغرض المنع من ضياع النسل ، واختلاط المياه والأنساب ؛ إذ لو أُجيزَ لها التعدد ، لتحققت كلُّ المفاسد المذكورة ، وهذا ما لا يتلائم مع روح العدل التشريعي . ولكنَّ هذا الجواب لم يعد يجدِ شيئاً الآن ، بعد أنْ توصلَ العلمُ الحديث إلى إمكان تمييز المياه من خلال إجراء فحص الحمض النووي ، والمعبّر عنه بالـ DNA . فالصحيح أنْ يُقال في الجواب : إنَّ حياة المجتمعات بشكلٍ نظامي ، مرتبطة باستحكام وحدة البنية العائلية؛ إذ لو انثلمت وحدةُ كلِّ أسرةٍ في المجتمع ، وتفككَ نظامها ؛ لاستحالَ انتظامُ الوجود الاجتماعي ، وسادت الفوضى والمفاسد في كلِّ أرجائه . ومن الواضح جداً : أنَّ استحكام وحدة البنية العائلية، يتوقف على وحدة ربِّ الأسرة؛ إذ أنه لو تعددَ لانهارَ البناءُ الأسري لكلِّ أسرة ، بداهةَ أنَّ توجهات أرباب الأسرة وآراءهم – حالَ تعددهم – لن تكون متفقة ، مما سيؤدي إلى عدم خضوعِ الأسرة لسلطةٍ واحدة ، وعليه فلو أباحَ الشارعُ التعدد الزوجي لكلِّ امرأة ؛ لكانَ لازمُ ذلك فساد النظام الإجتماعي وسيادة الفوضى فيه . وهذا بخلاف ما لو أُبيحَ التعدد الزوجي للرجل فقط ، فإنه باعتباره يشغل موقع ربِّ الأسرة – بمقتضى موقعيته التكوينية – لذلك من الممكن أنْ يكون رباً لأسرتين أو أكثر ، من غير أنْ يترتب أي محذور . فتحصلَّ مما ذكرناه : أنَّ إباحة التعدد الزوجي للرجل دون المرأة ، هو مقتضى العدل التشريعي ، وإلا لانسدَّ البابُ على الراغب في الوِلْد ولم يُرزق ولداً مِن زوجتهِ الأُولى ، وعلى النساء اللاتي يكثرُ – بحسب الإحصائيات – عددهنَّ على الرجال ، وغير ذلك من مبررات تشريع التعدد . 1- أوضاع المرأة المسلمة : 137 .