الرئيسية  شبهات و ردود  شبهات عقائدية 

الشبهات المرتبطة بالعدل التشريعي ( 3 )


3 – الشبهة الثالثة : شهادة المرأة نصف شهادة الرجل . وحاصل الشبهة : أنَّ واحداً من تشريعات الإسلام هو أنَّ شهادة الرجل الواحد تعادل شهادة امرأتين ، وهذا مؤشرٌ واضح على نظرة الإسلام الدونية للمرأة ، وكونها أقل كفاءةً من الرجل ، مما يرسّخ ويؤكد شبهةَ عدمِ عدالة التشريع .






مناقشةُ الشبهة الثالثة : ويُجاب عن هذه الشبهة : بأنَّ أساسَ الشبهة نابعٌ عن عدم استقراء القوانين التشريعية المرتبطة بقيمة شهادة المرأة ، وإلا فإنَّ تتبع التشريعات سينتهي بالمتتبع إلى أنَّ الإسلام لا ينظر لشهادة المرأة بمنظارٍ واحد، بل يختلفُ مِن موردٍ لآخر ، ففي بعض الموارد يجعل شهادة الرجل موازية لشهادة امرأتين، بينما في بعض الموارد تؤثِّر فيها شهادة المرأة على نحو الانفراد ، ولا تؤثر فيها شهادة الرجل إلا بضميمة شهادة رجل آخر ، ولنا أن نفهم ذلك من خلال عرض موارد الشهادة الأربعة : أ – المورد الأول : ما تُقبل فيه شهادة المرأة بشكلٍ مطلق ، كما في مجال إثبات الشؤون الخاصة بالنساء ، كالبكارة والثيبوبة ، فإنَّ شهادة المرأة لإثبات شيءٍ من ذلك أو نفيه هي المُعول عليه لدى الشارع المقدس بشكلٍ مطلق ، وفي هذا المجال وردَ عن أبي بصير ، أنه قال : سألته عن شهادة النساء ؟ فقال : " تجوز شهادةُ النساءِ وحدهنَّ على ما لا يستطيعُ الرجالُ النظرَ إليهِ " . ب – المورد الثاني : ما تُقبل فيه شهادة المرأة منفردة ، ولا تُقبل فيه شهادة الرجل منفرداً ، كمورد الوصية التمليكية ، فإنها لا تثبت بتمامها إلا بشهادة رجلين عادلين ، أو عادلٍ مع يمين المُوصى له ، أو عادلٍ مع عادلتين، بينما يثبتُ ربعها بشهادة امرأةٍ واحدة ، في الوقت الذي لا يثبت فيه بشهادة رجلٍ واحد حتى هذا المقدار . ج – المورد الثالث : ما لا تُقبل فيه شهادة المرأة مطلقاً ، كالشهادة على الهلال مثلاً . د – المورد الرابع : ما تعادل فيه شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ، بحيث لا تقبل فيه إلا شهادة رجلين ، أو رجلٍ وامرأتين ، كالشهادة على الدين ، وفيه وردت الآية المباركة : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإنْ لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أنْ تضل إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى } . وبعد الإحاطة بهذه الموارد الأربعة ، يتضح أنَّ شهادة المرأة – بنظر الشارع – ليست على النصف من شهادة الرجل دائماً ، بل حالها يختلف من مورد إلى موردٍ آخر ، فهيَ في بعض الموارد تقبل مطلقاً ، بينما في بعض الموارد تمنع مطلقاً ، كما أنها في بعض الموارد وإن اعتبرت نصف شهادة الرجل، إلا أنها في البعض الآخر يثبت بها ما لا يثبت بشهادة الرجل، مما يعني أنَّ قيمة شهادة الرجل ليست أعلى شأناً من قيمة شهادة المرأة ، وإلا لم يكن الشارع يقبل بشهادتها في بعض الموارد ، بينما لا يضع أي اعتبارٍ لشهادة الرجل . وهذا المقدار من البيان وإن كانَ كافياً لدفع الشبهة ؛ لإثباته أنَّ قبول شهادة كلٍ من الرجل والمرأة خاضع لاعتبارات معينة تختلف من موردٍ لآخر، ففي بعضها تكون كلُّ القيمة لشهادة الرجل ، بينما في البعض الآخر تكون كلُّ القيمة لشهادة المرأة . إلا أنه لا بأسَ بإلقاء الضوء على وجه الحكمة مِن رفض شهادة المرأة في بعض الموارد بشكل مطلق ، وجعلها على النصف من شهادة الرجل في بعض الموارد الأخرى . وحاصلُ ما يُمكن قوله : إنَّ عدمَ قبول شهادة المرأة بشكلٍ مطلقٍ في مثل مسألة الهلال ، ليسَ لنقصٍ فيها وكمالٍ في الرجل ، وإنما لأجل الحفاظ على انسجام سلسلة منظومة التشريع ؛ إذ أنه من ناحيةٍ قد قننَ مجموعةً من التعاليم لأجل الحيلولة دون اختلاط المرأة بالرجل – كما أوضحنا ذلك في النقطة الثانية من مناقشة الشبهة السابقة – فلو فتحَ الباب أمامَ المرأة للشهادة بمثل الهلال – مما يستلزم بحسب العادة اختلاط الجنسين ولو بنحوٍ جزئي – لأدى ذلك إلى تمزيق النسيج الواحد لمنظومة التشريع . وأما اعتبار شهادتها نصفاً لشهادة الرجل في مسألة الدين : فمن الممكن فهمه من خلال الالتفات إلى أنَّ آية الدَين إنما هي ناظرةٌ إلى مقام التحمل ، لا إلى مقام الأداء . وتوضيحُ ذلك : أنَّ آية الدَين المباركة بعدَ أنْ اعتبرت شهادة الرجل معادلةً لشهادة امرأتين ، قد أوضحت وجهَ الحكمة في ذلك ، فقالت : { أن تضلَ إحداهما فتذكِّر إحداهما الأخرى } ، وقد حملَ بعضهم الآيةَ على مقام أداء الشهادة ، وفسّر الضلال بالنسيان ، زاعماً أنَّ المرأة أكثر نسياناً من الرجل ، فتكون بحاجة إلى امرأة أخرى تذكرها ، بل بالغَ بعضهم حتى اعتبرَ هذا إعجازاً علمياً للقرآن ، مدعياً أنَّ تفوق المرأة على الرجل في نسيانها حقيقةٌ قد أثبتتها الدراساتُ العلمية المعاصرة ، مما حدا ببعض اللادينيين في المقابل إلى إدعاء وجود العجز العلمي في القرآن الكريم ، اعتماداً على بعض الدراسات الأخرى التي تثبت عكس النتيجة المذكورة . والأظهر أنَّ الآية الشريفة ناظرةٌ إلى مقام تحمل الشهادة ، والضلال فيها بمعنى الخطأ والاشتباه ، ويكون المقصود منها : أنَّ المرأة بما أنها – بحسب الأعم الأغلب – بعيدة عن أجواء حياة المعاملات المالية ، بمقتضى موقعيتها الطبيعية كَرَّبةِ أسرة ؛ لذلك فإنها عندما تتصدى لتحمل الشهادة على واحدةٍ من هذه المعاملات – وهيَ الدين – تكونُ عِرضةً للخطأ والاشتباه ، فيلزم أن تكون إلى جانبها امرأةٌ أخرى تعضدها ، حتى تتضاءل نسبةُ الخطأ في التحمل . وبما ذكرناه يتضح : أنَّ التشريع المذكور لا يعود لنقصٍ في نُضج المرأة وقدراتها الذهنية ، وإنما يعود لطبيعة موقعها في الحياة . 1- وسائل الشيعة : 27 / 351 . 2- الوصية قسمان : تمليكية وعهدية ، ويُراد بالأولى : الوصية التي تكون لتمليك بعض أموال الموصي لغيره ، ويُراد بالثانية : الوصية بما سوى التمليك ، كالوصية بكيفية الدفن مكاناً وزماناً ، أو الإستنابة في الصلاة والحج والصيام ، ونحو ذلك . 3- سورة البقرة ، الآية : 282 . 4- المراد من تحمّل الشهادة : معاينة الحدث الذي يحتاج للشهادة عليه ، ووجه أظهرية الآية في تحمل الشهادة لا في أدائها ، أنَّ الآية افتُتحت بقولها : { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجلٍ مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتبٌ بالعدل } ثم قالت : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإنْ لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان } مما يعني أنها ناظرةٌ إلى عملية المداينة ، ومحبوبية توثيقها بالكتابة ، والاستشهاد عليها ، وهذا واضحٌ جداً في تحمل الشهادة لا في أدائها .