شبكة الضياء
بحوث ومقالات »

أضواء على رسالة (الخمس على المذاهب الخمسة)

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة المؤبدة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .

 

   أما بعد :

 

فهذه دراسة متواضعة حول رسالة ( الخمس على المذاهب الخمسة ) لسماحة المقدس ، العلامة الحجة ، الشيخ فرج آل عمران القطيفي ( قده ) ، أقدمها بين يدي القارئ الكريم ورجائي أن أكون قد وفقتُ للإلمام ببعض الأبعاد والجوانب في الرسالة المذكورة ، وقد رتبتها على هذه المنهجية :

 

1) المقدمة : وقد جاءت تحت عنوان ( مقدمة تمهيدية ) ، مشتملة على مجموعة نقاط تبحث حول الخطوط العامة لعلم الفقه المقارن .

 

2) المدخل : وقد تضمن نقطتين ، إحداهما تعريف بالمصنِّف ، والأخرى تعريف بالمصنَّف .

 

3) الفصل الأول : وقد بحثتُ فيه حول الجوانب الفنية والجمالية الموجودة في الرسالة .

 

4) الفصل الثاني  : وقد عرضتُ فيه بعض الأبحاث الاستدلالية المذكورة في طيات الرسالة عرضاً تحليلياً مبسطاً .

 

وعند هذا الفصل تكون هذه الدراسة قد تمت واكتملت، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .

 

ضياء السيد عدنان الخباز

القطيف / المدارس

الإثنين 6 / 4 / 1420 هـ

مقدمات تمهيدية :

 

1 / المقدمة الأولى : تعريف الفقه  المقارن .

 

وهنا يوجد لدينا تعريفان :

 

        1- الأول : الفقه المقارن هو : " جمع الآراء المختلفة في المسائل الفقهية على صعيد واحد دون إجراء موازنة بينها " .

       وهذا التعريف ذكره العلامة المعاصر السيد محمد تقي الحكيم في كتابه ( الأصول العامة للفقه المقارن )[1] .

 

2- الثاني : الفقه المقارن هو : الجمع بين الفتاوى المختلفة الصادرة عن أئمة المذاهب الاسلامية على صعيد واحد في المسائل الفرعية ، من دون إجراء موازنة بينها وأنّ أياً منها هو الأرجح .

وهذا التعريف ذكره العلامة المعاصر الشيخ إبراهيم الجنـاتي في كتـابه ( دروس في الفقه المقارن )[2] .

 

وبعد عرض هذين التعريفين لابأس بالإشارة - تجاوزاً لرأي المحقق الآخوند صاحب الكفاية ( قده ) في مسألة التعريفات - إلى أن التعريف الثاني أمتن وأجود من التعريف الأول ؛ وذلك لأن الثاني قد تضمن قيداً مهماً له أهمية بالغة في تمييز الفقه المقارن عن غيره ، ألا وهو قيد : ( الصادرة عن أئمة المـذاهب الإسلامية ) ، وتتضح أهميته بملاحظة أن التعريف الأول فيه من السعة والشمولية بالمقدار الذي يجعله منطبقاً حتى على بعض كتبنا وموسوعاتنا الفقهية الخاصة ، والتي يستعرض فيها مؤلفوها ( الآراء المختلفة في المسائل الفقهية على صعيد واحد ) ، والحال أنَّ هذه المجموعات الفقهية خارجة عن موضوع الفقه المقارن بحسب الاصطلاح تخصصاً ؛ إذ أنَّ العنصر الأساسي المقوِّم لعلم الفقه المقارن حقيقة هو الجمع بين الآراء أو الفتاوى المختلفة ، ولكن بقيد ( الصادرة عن أئمة المذاهب الإسلامية ) ، وهذا ما التفت إليه الشيخ الجناتي في تعريفه وأهمله أو أغفله السيد الحكيم [ دامت فوائدهما ] .  

هذا وتبقى ملاحظة خفيفة على كلا التعريفين ألا وهي : أن كلا التعريفين قد أخذا مفردة ( المختلفة ) قيداً من قيود التعريف ، وعليه فهل الجمع بين الفتاوى والآراء المتفق عليها بين أئمة المذاهب الإسلامية في مسألة فرعية معينة لا يعد من الفقه المقارن المصطلح ؟ أم أن المراد من الاخـتلاف المأخوذ قيداً مطلق الاخـتلاف بأيِّ نحوكـان ، حتى ولو كان الاختلاف بلحاظ النسبة والانتماء فقط  ؟

الظاهر من كلماتهم هو الأول ، أي : أنَّ الاختلاف لا يراد به مطلق الاختلاف ، بل يراد به الفرد الخاص ، ألا وهو الاختلاف في الحكم الشرعي ، وعليه فليس البحث في المسائل الفقهية الاتفاقية من أهداف الفقيه المقارِن ، وإنْ تعرض اتفاقاً لمسألة من هذا القبيل فهو إنما يتعرض لها استطراداً ليس إلا .

 

2 / المقدمة الثانية : علم الفقه وعلم الخلاف .

 

علم الخلاف أو علم الخلافيات هو من العلوم القديمة جداً ، والتي ذاعت واشتهرت عند قدماء علمائنا ( رضوان الله عليهم ) حتى صنَّف بعضهم فيه كتباً خاصة كـ( كتاب الخلاف ) لشيخ الطائفة الطوسي ( قده ) ، والمراد من هذا العلم هو : الجمع بين الفتاوى الصادرة عن أئمة المذاهب ولكن مع إجراء الموازنة بينها بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على البعض الآخر .[3]

وعلى ضوء هذا التعريف لعلم الخلاف يتضح أن هناك نقطة التقاء بينه وبين علم الفقه المقارن ، وهي فيما إذا تعقبت عمليةَ الجمع بين الآراء المختلفة لأئمة المذاهب       – والتي يتكفلها الفقه المقارن – عمليةٌ أخرى ، وهي عملية الموازنة بين الآراء ، وتقييمها هدماً وبناءً بالتحقيق في أدلتها ، وترجيح بعضها على البعض الآخر ، وهذه يتكفلها علم الخلافيات ، والذي أتصوره أنَّ ( علم الخلاف ) عبارة عن مرحلة متطورة وصلَ إليها علم الفقه المقارن ، وليس علماً قائماً بنفسه .

وعلى ضوء نقطة الالتقاء هذه نستطيع أن نقول : إنَّ علم الفقه المقارن على قسمين  :

- الأول : ما كان خالياً عن عملية الموازنة والمحاكمة ، وإليه يشير التعريفان اللذان مرَّ ذكرهما في النقطة الأولى .

 

- الثاني : ما كان حاوياً لعملية الموازنة ، وهذا هو ما يعبر عنه بعلم الخلاف ، والذي عليه الآن مدار جميع الأبحاث المعاصرة التي تتناول قضايا الفقه المقارن .

 

3 / المقدمة الثالثة : الفارق الموضوعي بين علم الفقه المقارن وعلم الفقه المقارن .

 

مِن منطلق موضوعيهما ، ودرجاً على ما اشتهر عند الأصوليين من تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها – بناء على تماميته - يتضح الفرق بين علم الفقه وبين علم الفقه  المقارن ؛ إذ أنَّ موضوع علم الفقه هو فعل المكلف ، بينما موضوع علم الفقه المقارن هو آراء أئمة المذاهب لا بشرط أو بشرط شيء وهو خضوعها للموازنة والتقييم  .

ومن هذا الاختلاف في طبيعة الموضوع نشأ بين العلمين - كما يقول السيد الحكيم في أصوله - فارقٌ منهجي ، فالفقيه غير ملزم بعرض الآراء الأخرى ومناقشتها ، وإنما يكتفي بعرض أدلته الخاصة التي التمس منها الحكم ، بخلاف المقارن والخلافي فهما ملزمان باستعراض مختلف الآراء والأدلة وإعطاء الرأي فيها ، فالفارق بينهما إذن فارق جذري وإن تشابها في طبيعة البحوث .[4]

 

4 / المقدمة الرابعة : خطوات البحث في علم الفقه المقارن .

 

من خلال النقاط  المتقدمة اتضح جيداً أنَّ منهجية البحث في علم الفقه المقارن تمرُّ بخطوات أربع ، وهي : 

 

1- الخطوة الأولى : تحرير المسألة المبحوث عنها ، وتحديد موضوعها .                                       

 

2- الخطوة الثانية : عرض آراء المدارس الفقهية المختلفة في المسألة التي تمَّ تحريرها .

3- الخطوة الثالثة : مناقشة الآراء المطروحة من خلال أدلتها ، ومعالجتها معالجة سندية ودلالية .

 

4- الخطوة الرابعة : تبني الرأي المختار ببيان أدلـته ومستنده ، والوصول إلى النتيجة النهائية  .

         

5 / المقدمة الخامسة : معطيات علم الفقه المقارن وثمراته .

 

وقد ذكروا لهذا العلم الشريف عدة ثمرات ومعطيات ، أشار إليها السيد الحكيم في أصوله العامة ، وتبعه في ذلك جميع من جاء بعده ، ولكنها بأجمعها لا تخلو عن التأمل ، فلاحظ  .

وإن كانت ثمة ثمرة تذكر لعلم الفقه المقارن فهي : " فهم مقاصد الأئمة (ع) ومراداتهم " ، وذلك بدعوى أنَّ نصوص الأئمة الطاهرين ( ع ) دائماً ما تختزن في جنباتها إشارات غير صريحة إلى فتاوى المدارس الفقهية المخالفة ، فالإحاطة والإطلاع على الفكر الفقهي العامي المعاصر لزمن النص المعصومي - كالاطلاع على خراج أبي يوسف وموطأ مالك - يعين الباحث في النصوص الشريفة على فهم مقاصد المعصومين ( ع ) ويقربه من الحكم الشرعي الواقعي .

و هذه الثمرة على فرض تماميتها هي أهم ثمرات هذا العلم الشريف ، وقد تبناها مسلكاً الفقيه الأعظم السيد البروجردي ( قده ) ، وتبعه من تأثر بمدرسته الفكرية من تلامذته كسماحة المرجع الديني الكبير السيد السيستاني (دام ظله)  .

ولعلَّ هذه الثمرة هي ما عبر عنه العلامة المعاصر السيد محمد تقي الحكيم ( دام ظله ) في أصوله العامة وتبعه الشيخ الجناتي في دروسه  بـ( نتائج التلاقح الفكري ) ، فلاحظ .[5]

 

 

6 / المقدمة السادسة : فائدتان على هامش البحث .

 

1- الفائدة الأولى : بحسب التتبع والملاحظة السريعة وجدتُ أن المنهج بالنسبة إلى عملية عرض الآراء يمكن تصنيفه إلى منهجين :

 

أ - الأول : ما تتمُّ فيه عملية العرض بلحاظ المدرسة والإنتماء ، وعليه فلا بدَّ في كل مسألة من المسائل أن يستعرض المقارِن جميع ما فيها من الآراء ، ثم يرتبها بحسب الترتيب المرتضى لديه بلحاظ المدرسة طبعاً .

ب - الثاني : ما تتم فيه عملية عرض الآراء بلحاظ الاختلاف الحكمي في   المسألة ، فهنا المقارِن أو الخلافي بعد تحريره للمسألة يقوم بعرض الحكم المختلف فيه ، ثم ينسب كل مدرسة لما تتبناه من حكم .

 

والخلاصة : هي أنه بحسب المنهج الأول يتم عرض المدرسة ومن ثم عرض   الحكم ، وفي المنهج الثاني يتم العرض ولكن على عكس الأول .

 

     2 - الفائدة الثانية : إن الموضوع في علم الفقه المقارن تارة يكون هو خصوص آراء المذاهب الأربعة منضمة إلى ماورد عن أهل العصمة والطهارة (ع) ، وتارة يكون عاماً وشاملاً حتى لآراء الزيدية والإسماعيلية والإباضية وغيرها من الفرق والمذاهب .

 

 

 

 

 

 

 

 

المدخـل

تـعـريـفٌ

بالمصنِّـف  و  المصنَّـف

 

-  التعريف بـ( المصنِّف ) .

 

ولست أريد هنا أن أعرِّفَ المصنف (قده) بصورة عامة ومطلقة ، بل أريد أن أُعرِّفه بلحاظ ما يتصل بموضوع دراستنا حول رسالته التي نحن بصددها : ( الفقه على المذاهب الخمسة ) ، ألا وهو كون العلامة المؤلف ( فقيهاً ) ، والتعريف بهذا اللحاظ هو الذي ينبغي التركيز عليه في هذا الموضع ؛ وذلك لأنَّ كون المصنف في علم الفقه المقارن من ( الفقهاء ) يكسب ما صنفه موقعية متميزة وفريدة .

بل يعد ذلك - كما عن بعض المفكرين المعاصرين - مؤشراً على وجود ملكة خاصة عند نفس المصنِّف في علم الفقه المقارَن ، حيث يقول في ذلك :

" فإن الاستنباط في فقه الخلاف وفقه الوفاق يقتضي استعداداً علمياً استثنائياً ، وتبحراً وسعة اطلاع على فقه المذاهب وأدلته ، وهذا يعني تجاوز الاجتهاد المطلق في المذهب إلى الاجتهاد المطلق العام في أكثر من مذهب أو في سائر المذاهب ، بما يقتضيه ذلك من القدرة العلمية على التعامل مع الأدلة والمباني المختلفة في المذاهب الأخرى" [6].

وعلى كل حال فإنَّ هدفنا من هذه النقطة ما هو إلا تعريف العلامة المؤلف (قده) على أنه أحد مؤلفي علم الفقه المقارن ( الفقهاء ) ، وهذه حقيقة مهمة ينبغي أن لا تغفل في حياة هذا المقدس (قده) ، تكشف عنها إجازاته وشهاداته المنثورة في كتبه ومؤلفاته .

فمن بين تلك الشهادات والكلمات المسؤولة : شهادة الشيخ الهادي من آل كاشف الغطاء ، والتي يقول فيها :

" العالم الورع ( الفقيه ) ، والمهذب الفاضل النبيه ، الشيخ الجليل ، فرج بن الحسن آل العلامة الشيخ عبد الله بن عمران القطيفي ، دامت بركاته وعمّت إفاضاته ، فإنه أيده الله تعالى ممن قضى مدة من دهره وبرهة من عمره في تحصيل العلوم الدينية والمعارف الإلهية ، حتى فاز منها بالقدح المعلى ، ونال المقصد الأقصى" [7].

 

والأصرح من هذه الشهادة : شهادة السيد محمد مهدي الموسوي الأصفهاني الكاظمي ، والتي يقول فيها :

" العالم الجليل والفاضل النبيل ، صدر الأفاضل وبدر الأماثل ، الفقيه النبيه والعلم الوجيه ، علَم الأعلام ثقة الإسلام ، قرة العين وسرور النشأتين ، الشيخ فرج ، دامت بركاته ، نجل المقدس المؤتمن الملا حسن آل عمران القطيفي ، طاب ثراه ، فجدّ واجتهد وطلب وكّد ، حتى بلغ إلى ما أراد وحصّل المراد ، وصار من أهل الإرشاد وأرباب الاجتهاد" [8].

 

ومن العجيب جداً ما يقدمه المؤلف العلامة ( قده ) من تمهيد أمام هذه الشهادة قبل أن يوردها ، حيث قال :

" فقدم لي - أي السيد الأصفهاني - إجازة مبسوطة سماها : ( أحسن الدرج في الإجازة للشيخ فرج ) …وقد أدرج في طيها شهادته بالاجتهاد ، فقلت له : إني لست بمجتهد ولا أدعي الاجتهاد ، فقال : إني أرى في الاجتهاد نمطاً وسطاً لا كما يراه الأوائل فإنه تفريط ، ولا كما يراه الأواخر فإنـه إفراط ، وإني بحسب ما اطلعت عليه وسبرته من مؤلفاتك ومصنفاتك النظمية والنثرية ، وبحسب أسئلتك وإجابتك الشفهية قطعت باجتهادك ، والقاطع لايرى إلا الواقع ، وبذلك أدين الله " .[9]

 

     نعم إنه من العجيب حقاً مثل هذا التمهيد ؛ وذلك لما نراه الآن في مرحلتنا الزمنية البائسة من التهالك على تحصيل مثل هذه الشهادات حتى من غير أهلها ، فكم هو الفرق كبير بين تلك النفوس الطاهرة ، وبين نفوسنا المغرورة بأوهام الألقاب .

 

 

 

     2 - التعريف بـ( المصنَّف ) .

 

        ولستُ أريد من هذه الجهة إلا بيان لماذا موضوع ( الخمس ) بالذات دون غيره من الموضوعات الفقهية ، هو الذي استأثر باهتمام العلامة المؤلـف ( قده ) ، فكتب فيه رسالة ( الخمس على المذاهب الخمسة )  ؟

وللجواب على مثل هذا التساؤل يقولون : البحث الفقهي دائماً ما يمثل رؤية الفقيه للمجتمع والعالم من منظار الإسلام ، واختيار الفقيه لأبحاثٍ معينة يعبر عن حقل اهتمامه في المجتمع والأمة ، ومن ثم فإنه يعبر عن درجة علاقته بالحياة اليومية للأمة الإسلامية وللمجتمع الذي يعيش فيه .

وهذا يكشف عن أن الفكر الفقهي عنده فكر عملي متحرك في قضايا الحياة اليومية ، وليس فكراً تجريديأ منقطع الصلة بالواقع الحي الذي يعيشه المسلمون جميعاً .

ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا وقع اختيار العلامة العمران ( قده ) على موضوع الخمس بالذات ؟ وذلك بملاحظة الدور العملاق الذي قام به ( قده ) من أجل ترسيخ هذه الفريضة في نفوس الناس ، حتى انتشرت حركة الخمس المباركة في جميع أنحاء البلاد من دانيها إلى قاصيها ، وفي أوساط فقرائها وأغنيائها ، بالمقدار الذي أصبحت به بلاده   ( القطيف ) منهلاً ثرّاً تعتمده جميع المرجعيات الشيعية في دعم  مشاريعها الدينية التي تباشرها .

    ولازالت تلك الجهود المشكورة التي بذلها العلامة المصنِّف (قده) في هذا المجال حديثاً يلهج به المخالف والمؤالف في جميع البلاد ، وحسنةً اقترنت باسمه الشريف المبارك في ذاكرة جميع القطيفيين .

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

 

 

رسالة ( الخمس ) من

زاويـة فـنية 

 

وعندما نريد أن نعيش مع رسالة ( الخمس ) من خلال جوانبها الفنية والجمالية نقف عندها عبر عدة وقفات  :

 

1- الوقفة الأولى : نقل آراء المدارس المختلفة من خلال مصادرها المعتمدة .

 

وهذه النقطة نقطة مهمة وحساسة جداً لمن يمارس عملية المقارنة والموازنة بين الآراء المختلفة ، بل هي مقتضى الأمانة والإنصاف في مقام نسبة كل رأي إلى مدرسته ، ولو التزم بهذه النقطة كل من وضع نفسه في هذا الموضع – سواء كان ذلك على المستوى العام والمدارس المتعددة ، أم كان ذلك على المستوى الخاص والمدرسة الواحدة –  لانتهت الكثير من الحوارات الفقهية والعقائدية ، والتي طال البحث فيها بلا طائل .

والتزاماً بهذه النقطة نجد العلامة العمران ( قده ) دائماً ما يركز عليها في طيات رسالته ، فيقول مثلاً في مقدمتها : " هذا كتيبي ( الخمس على المذاهب الخمسة ) أُقدِّمه إليك قد عرضت فيه طائفة من أقوال علماء المذاهب الخمسة الإسلامية : ( الجعفري ، الحنفي ، المالكي ، الشافعي ، الحنبلي ) وهي خلاصة أمينة لآرائهم في الخمس الشرعي  ، وسردت خلاله نبذاً من الكلمات المأثورة عنهم مما يتعلق بذلك الواجب الديني ، استقيتها من المصادر المعترف بها ، والمراجع الوثيقة عمن يعتمد قوله ، ويوثق بنقله " [10].

وعندما يبحر القارئ في عمق الرسالة ستشد نظره أكثر من ذي قبل مبالغة العلامة العمران ( قده ) في التوثيق ، فهو لا يكتفي فقط بتوثيق الرأي الآخر من خلال أحد مصادره المعتمدة عنده ، بل يحاول أن يستخرج الرأي من عدة مصادر معتمدة لا يقل عددها عن الثلاثة في معظم الأحيان .

 

2- الوقفة الثانية : جمال المنهجية .

 

ولا غرو في ذلك ، فالعلامة العمران ( قده ) هو ذلك العَلم الذي لم تفتأ يراعته المعطاءة عن الكتابة والتأليف حتى آخر لحظات حياته المباركة ، فكان ( قده ) أحد أولئك العظماء الذين أثروا المكتبة الشيعية الإسلامية في شتى فنون المعرفة حتى بلغ عدد مؤلفاته ما يقارب الثلاثين مؤلفاً مع غض النظر عن تعدد الأجزاء .

ومن كان هكذا فلا عجب أن يكون قلمه مبدعاً في جمال بيانه وروعة منهجيته ، وهذا ما يلحظه القارئ لرسالته في ( الخمس ) ، حيث قام الشيخ العلامة ( قده ) بترتيبها على النسق التالي :

 

أ - أولاً : بيان الأصل في المسألة ، جرياً على عادة الفقهاء ، فبدأ بذكر الآية القرآنية المتعلقة بالخمس وهي قوله تعالى : ) واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير([11] ، وجعلها أصلاً للمسألة .

ب - وثانياً : بعد أن ذكر الأصل في المسألة قام بإيضاح ثلاث زوايا لها علاقة مسيسة بالمطالب التي سيتعرض لها أثناء البحث ، وهي :

1-             الأولى : سبب النزول .

2-             الثانية  : مفردات النص القرآني .

3-             الثالثة  : المعنى الإجمالي للنص .

 

ج - وثالثاً : تعرض ( قده ) لتأريخ تشريع الخمس تحت عنوان ( أول خمس في الإسلام ) ولكنه لم يطل البحث في هذا الجانب ، بل اكتفى بذكر بعض الأقوال في ذلك من غير تحقيق فيها ، ولعلّه لعدم ترتب ثمرة عملية مهمة في تحقيق هذا الجانب .

 

د - ورابعاً : بحث ( قده ) حول المسألة المهمة والحساسة في فقه الخمس المقارَن ألا وهي مسألة ( قسمة الخمس ) ، وقد بحثها بحثاً موسعاً شمل نصف الرسالة تقريباً على نحو مستقل تنبيهاً على أهميتها وضرورتها ،  مع أنه كان بإمكانه أن يدرج هذه المسألة ضمن ( مفردات النص ) .

 

وعند هذه النقطة توقف مداده الشريف عن الاسترسال بعد أن استعرض جميع ماله أهمية في فقه ( الخمس ) المقارن .

 

4-            الوقفة الثالثة : الدقة في التتبع .

 

وهذه الدقة يلحظها القارئ من خلال الملاحظات القيمة التي ينبه العلامة المؤلف  ( قده ) عليها عند عرضه لآراء الطرف الآخر ، فمثلاً  عندما يتعرض لمسألة ( قسمة الخمس ) ويستعرض الآراء المطروحة فيها نراه يقف متأملاً عند الزمخشري في كشافه والرازي في تفسيره حيث ذكرا في تفسيريهما أقوال ثلاثة من أئمتهم ، وأهملا قول أحمد ابن حنبل ، فيعلق على موقفهما هذا تحت عنوان ( لفت نظر ) فيقول :

 

" يلاحظ أن هذا الإمام - أي الرازي - وصاحب الكشاف لم يذكرا قولاً للإمام أحمد بن حنبل ، هل اكتفيا بقول الشافعي لكونه موافقاً له ؟ أم أنهما لا يعتبرانه من أيمة الفقه وإنما هو من أيمة الحديث ، كما هو رأي الإمام الطبري وابن عبد البر وابن قتيبة وابن النديم ؟ والله العالم " [12].

ثم يعلق على ما ذكره (قده) في هامش الصفحة فيقول :

       " قال الدكتور المحامي صبحي محمصاني في كتابه ( فلسفة التشريع في الإسلام ) : وممن عدَّ ابن حنبل مع البخاري ومسلم وباقي المحدثين في باب فقهاء الحديث ابن النديم في الفهرست ، ومنهم - أيضاً - ابن عبد البر الذي لم يذكر ترجمة هذا الإمام في كتابه      ( الإنتقاء في فضائل الأيمة الفقهاء ) ، وابن قتيبة في كتاب (المعارف ) لم يذكر شيئاً عن ابن حنبل ولا عن مذهبه " [13].

4- الوقفة الرابعة : أدب الحوار والمناقشة .

 

 وهو من أروع الصور الجمالية السائدة في معظم كتبنا الشيعية بشكل عام ، وفي هذه الرسالة المباركة بشكل خاص ، وهي على كل حال نفحة من نفحات القدس المعصومي الذي أفاضه آل محمد ( عليهم السلام ) على شيعتهم ومحبيهم ، وتتجلى هذه الصورة واضحة في سطور هذه الرسالة المباركة ، فمن يقرأها يلمس سريعاً كيف أن المؤلف العلامة (قده) يحتفظ بأدبه وهدوئه حتى مع احتدام الحوار ، بل تشعرك تلك الهالات التي كان يضفيها على الطرف الآخر من قبيل : ( الإمام ) و ( العلامة ) بعمق الروح الأدبية المهذبة التي كانت تختزنها تلك الشخصية الطاهرة .

هذا مع ملاحظة المواقف المقابلة - في الوقت نفسه - من قبل الطرف الآخر ، والتي تختزن في ثناياها كل معاني الحقد والكراهية والتعصب والتجريح في رموز الشيعة وعلمائهم .

   

5- الوقفة الخامسة : التعريف بأئمة المذاهب .

 

وهذه كنقطة يمكن أن تضاف إلى النقطة السابقة ، إلا انها لتميزها وكونها تعد من الناحية الفنية حسنة في حد ذاتها ذكرناها على نحو مستقل ، ويكمن الحسن في هذه النقطة   - وإن كانت على نحو السرعة والإجمال - في كونها بمثابة المدخل الذي يحتاجه القارئ لمعرفة صاحب الرأي قبل قراءة رأيه .

ومن أروع ما تضمنته هذه التعريفات المقتضبة بأئمة المذاهب : تحقيق المصنِّف حول وجه نسبة المذهب !! الشيعي[14] إلى الإمام الأعظم جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) ؛ وذلك من خلال التعبير الشائع ( المذهب الجعفري ) ، ذكر فيه ( قده ) ما هذا نصه :

" وإنما نسبوا مذهبهم إلى الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ؛ لأن أكثر الأحكام الشرعية التي وصلت إليهم عن نبيهم المرسل G كانت من طريقه .

ولأن تأسيس بعض المذاهب الأربعة كالحنفي ، والمالكي كان في عصره .  

ولأن من معاني جعفر في اللغة : النهر الواسع الكبير ، فنسبوا مذهبهم إلى جعفر الصادق ( عليه السلام ) إشارة وتنبيهاً على أن هذا المذهب هو : النهر الواسع الكبير المنصب من منبع الوحي والرسالة ، وما سواه من المذاهب جداول .   

ولا عجب ولا غلو في هذا القول ؛ فإن أئمة المذاهب تلاميذ للإمام جعفر  الصادق ( عليه السلام ) ، ومثل علم التلميذ بالنسبة إلى علم أستاذه - ولاسيما أستاذ كالإمام الصادق ( عليه السلام ) - مثل الجدول بالنسبة إلى النهر "[15] . 

 

    وإلى غاية هنا نكون قد رسمنا مجموعة من الصور الفنية والجمالية الموجودة في هذه الرسالة الشريفة ، لعلَّها تكون وافية في أداء ما يتعلق بهذه الزاوية من زوايا هذه الدراسة القاصرة  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

 

 
رسالة ( الخمس ) من

زاوية صناعية

 

وسيكون البحث حول هذ1 الفصل مسبوقاً بمدخل صغير نتزود فيه ببعض المفاهيم  التي تتعلق بهذه الجهة من البحث ، وهذا المدخل سوف يبحث حول :

 

" عناصر الاستدلال في عملية الفقه المقارن "

 

ومما لا يخفى أنَّ العمل الفقهي الاستدلالي فيما يتعلق بالبحوث الفقهية المقارنة يحتاج إلى مجموعة من الأدوات والآلات ، التي قد تكون مشتركة بين البحوث الفقهية المقارنة والبحوث الفقهية المطلقة ، وقد تكون من الأدوات الخاصة ببحوث الفقه المقارن .

 

فمن قبيل النوع الأول من الأدوات : القواعد والقوانين الأصولية ؛ فإنها كما يحتاج إليها الفقيه المطلق ، كذلك هي مورد حاجة الخلافي أو الفقيه المقارِن .

 

ومن قبيل الثاني : التتبع التأريخي لظروف الحكم الفقهي ، بمعنى دراسة الأجواء والظروف التي كانت محيطة بالمرحلة الزمنية لولادة الحكم ، وهذا مفيد ومثمر جداً في مجال البحوث الفقهية المقارنة ، وإن كان قليل الجدوى والمنفعة فيما يتعلق بالبحوث الفقهية المطلقة ، إلا على مسلك بعض الأعلام .

وبعد هذا العرض الخاطف لأسس وعناصر الاستدلال الخاصة والمشتركة المطلوبة في عملية الفقه الاستدلالي المقارن ، نجد أن هذه العناصر تتواجد وبكثرة على صفحات رسالة ( الخمس ) الشريفة .

فالمشترك من العناصر - مثلاً - من قبيل : قاعدة ( خصوص المورد لا يخصص الوارد ) ، أو قاعدة ( جابرية الشهرة وكاسريتها ) ، تتوافر عليه الرسالة الشريفة في عدة مواضع وبشكل ملاحظ .

 

وكذلك المختص من العناصر هو الآخر كان له نصيبه من الرسالة  ، وإن كان لا يعدو مورداً واحداً ، إلا أنه بُحث وبشكل موسع ومُركّز من خلال عنصر التتبع التأريخي لظروف الحكم ، وهذا ما نقرأه عند بحث العلامة المؤلف (قده) حول مسألة ( قسمة الخمس ) ، فهو بعد أن استعرض رأي الحنفية القائل بأن الخمس كان على خمسة أسهم في حياة النبي الأعظم G : سهم له G وسهم لذوي قرباه ، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل .

واستعرض رأي المالكية القائل بأن أمر الخمس بعد رحيل الرسول الأعظم G مفوض إلى اجتهاد الإمام ورأيه ، ولا حقَّ فيه لأحد .

ولاحظ بأن هذين الرأيـين يخالفان آراء المدارس الأخرى ، قام ( قده ) برحلة تتبعية تأريخية سريعة من أجل دراسة الظروف الاجتماعية المولدة لهذين الرأيين ، حتى استطاع أن يضع نقاط المسألة على حروفها ، ليجد بأن هذين الرأيـين إنما انطلقا من القاعدة السياسية الخاضعة لخط الخلافة  .

يقول (قده) : " وجاء في الكشاف ما نصه :

   ( وعن ابن عباس - رض- إنه كان على ستة أسهم : لله وللرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض G ، فأجرى أبو بكر - رض- الخمس على ثلاثة ، وكذلك عمر ومن بعده من الخلفاء ، وروي أن أبا بكر - رض- منع بني هاشم الخمس ) .

فقد ظهر جلياً كالشمس في رائعة النهار : أن القوم منعوا علياً ( عليه السلام ) حقه من الخمس ، كما منعوا - أيضاً - بني هاشم وخصوصاً آل محمد  Gحقهم من الخمس الذي عوضهم الله به عن أوساخ الناس ، مع أن القوم متـفقون على أن الله تعالى حرم عليهم الصدقات ، فـأصبحوا لا خمـس لهم ولا زكاة .                              

يا مَن تولى أمور الناس مجـتهداً
منعتَ قربى رسول الله خمسهم

 

في الدين ما يرتأيهِ منه أجـراهُ
وأنتَ تفهم معنى منع  قربـاهُ
                                                                                                          

 

وكيف تطيب نفوس القوم أن يكون لعلي بن أبي طالب نصف الخمس من   الغنائم ، وهل هذا إلا رمز الإمامة والخلافة ، والقيام مقـام الرسـول G ؟ ولعلَّ الكثير تأبى نفوسهم أن يعترفوا لعلي ( عليه السلام ) بذلك المقام ، فأسقطوا هذه السـهام ، وقسموا الخـمس ثلاثة أقـسام ، كما هو رأي أبي حنيفة .

ولعلَّ أنسب رأي بالموضوع رأي الإمام مالك ، وهو تفويض أمر الخمس إلى من يتولى الأمر ، ولا حقَّ فيه لأحد ، فالفت النظر جيداً ! " [16].

 

وبعد هذه الإلمامة الخاطفة ببعض عناصر الإستدلال في علم الفقه المقارن ، نحاول الآن أن نسلط الضوء على البراعة الاستدلالية عند العلامة العمران ( قده ) الموجودة في طيات هذه الرسالة .

وهنا نلتقي بأهم البحوث الاستدلالية التي تعرضت لها الرسالة بمتانة وبساطة في نفس الوقت ؛ لتتلائم مع الذهنية العامة ، وهي ثلاثة بحوث ، نكتفي منها بعرض بحثين فقط ، وهما :

 

1- البحث الأول : البحث حول مفهوم ( الغنيمة ) .

 

      والثمرة المترتبة على هذا البحث هي : إثبات أنَّ متعلق  الخمس هل هو ما يحصد من الحرب فقط - كما هو رأي العامة - فلا يجب الخمس فيما سوى ذلك ؟ أم أنَّ متعلق الخمس مطلق ما يكتسب - كما هو رأي الإمامية -  فيجب الخمس في كل مكسب ، وإن لم يكن من مكاسب الحرب ؟

ولأهمية هذه الثمرة بحث المؤلف العلامة ( قده ) حول مفهوم الغنيمة بحثاً علمياً ضافياً في غاية الروعة والتحقيق ، وذلك من خلال عدة نقاط كانت بمثابة المراحل التي رتبها ترتيباً منسقاً ، وصار يتنقل بينها مرحلة بعد أخرى حتى وصل إلى النتيجة النهائية ، وهي إثبات أن الخمس يتعلق بكل ما يصدق عليه عنوان (  المكسب ) ، وجميع كلامه يندرج في نقطتين :

 

1- النقطة الأولى : تحديد المعنى اللغوي لمفردة الغنيمة .

 

        وقد ارتكزت  هذه النقطة من البحث على محورين  :

 

أ - المحور الأول : عـرض كلمـات علـماء اللغة حول مـفردة ( الغنيمة ) ، وقد نقل (قده) في هذا المورد ثلاثة أقوال استخرجها من أمهات الكتب اللغوية ، وهي :

 

1- القول الأول : وهو ما نقله عن الفيومي في ( المصباح المنير ) قال : قال أبو عبيدة : الغنيمة ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة ، والفيء  ما نيل منهم بعد أن تضع الحرب أوزارها .

            

2- القول الثاني : وهو ما نقله عن الفيروزآبادي في (القاموس ) قال : المغنم ، والغنيم ، والغنم ، بالضم ، الفيء …والفوز بالشيء بلا مشقة ، أو هذا الغنم والفيء الغنيمة .              

 

3- القول الثالث : وهو ما نقله عن المستشرق اليسوعي في ( المنجد في اللغة ) ، قال : " الغنيمة ج غنائم ، والغنم غنوم ، والغنيم : ما يؤخذ من المحاربين . المكسب عموماً ، ويقال : غنيمة باردة أي طيبة ، أو بلا تعب " [17].

 

ب - المحور الثاني : استخلاص المعاني التي تمَّ استعراضها في المحور الأول ، وقولبتها في جوامع مشتركة ، وقد أنهاها ( قده ) إلى معاني ثلاثة ، وهي :

1) المعنى الأول : ما نيل عنوة من المشركين والحرب قائمة .

2) المعنى الثاني : الفوز بالشيء بلا مشقة .

3) المعنى الثالث: عموم المكسب . 

 

ومن خلال هذين المحورين يكون ( قده ) قد وصل إلى النتيجة المطلوبة في هذه النقطة ، وهي تحديد المعنى اللغوي لمفردة ( الغنيمة ) ، وبهذا يكون قد تهيأ للمرحلة الثانية من مراحل البحث ، وهي :

 

2 - الثانية : ترجيح المعنى الملائم للغنيمة في آية الخمس .

 

    وهنا قام ( قده )  بتحقيق ما هو المعنى المُراد للمُشرِّع في هذا النص الشريف من مجموع المعاني الثلاثة المتقدمة؟ وذلك من خلال القرائن الداخلية والخارجية للنص القرآني ، وكذلك من خلال القواعد الأصولية التي يمكن تطبيقها في هذا المورد .

فذكر بالنسبة إلى المعنى الأول وهو : ما نيل من المشركين عنوة والحرب قائمة ، أنه تؤيده قرينتان :

 

أ - الأولى : سبب النزول ، فإن نزول الآية في يوم ( بدر ) يصلح للقرينية على اختصاص الغنيمة بما نيل من المشركين في الحرب .

 

ب - الثانية : سياق الآية ، فإن المتأمل في الآية الشريفة مع مجموع ما سبقها ولحقها من الآيات ، يجد أن السياق القرآني لمجموع هذه الآيات يتحدث فقط عن الحرب مع المشركين وما تختزنه من أحداث ووقائع .

 

إلا أنه (قده) عاد بعد ذلك ليثبت أن القرينتين لا تصلحان لتحديد أن المعنى المراد للغنيمة في النص هو المعنى الأول ؛ وذلك من خلال القاعدة الأصولية القائلة : إنَّ خصوص المورد لا يخصص الوارد .

ثم بيّنَ ( قده ) بعد ذلك أنَّ العبرة بعموم الوارد [18]، وليست بخصوص المورد [19] .

 

وبهذا يكون قد وصل إلى أنَّ المعنى الأول ليس مراداً للنص ، فيبقى المعنيان الثاني والثالث ، فأيهما هو المراد ؟

أما المعنى الثاني وهو : الفوز بالشيء بلا مشقة ، فقد ذكر ( قده ) أولاً بأنه لا يوافق واحداً من المذاهب الخمسة !! ، إلا أنه حاول بعد ذلك أن يوفق بينه وبين المعنى الثالث بمناط الأولوية ، وذلك ببيان :

أن عنوان الغنيمة إذا كان يصدق على الفوز بالشيء بلا مشقة ، فصدقه على الفوز بالشيء مع المشقة من باب أولى ، وبالتالي فعنوان الغنيمة إذن يصدق على مطلق الفوز بالشيء بمشقة كان أم لم يكن .

وهذا ليس شيئاً آخر غير المعنى الثالث وهو عموم المكسب ، فإن عموم المكسب يعني الفوز بالشيء مطلقاً مع المشقة أو عدمها ، وعليه فالاختلاف بين المعنيـين ما هو إلا اختلاف لفظي .

وللأمـانة ننقل نص كلام المؤلف في بيان وجـه الجمع بين المعنيـين ، قال ( قدس سره )  : " وأما المعنى الثاني فلا يوافق واحداً من المذاهب الخمسة ، نعم ! هو إلى مذهب الأكثر من علماء الإمامية أقرب ؛ لأنه إذا صدقت الغنيمة على الفوز بالشيء بلا مشقة فصدقها عليه مع المشقة - كما في الجهاد - يكون من باب الأولى بالاتفاق ؛ إذ لا قائل بأن هذا ليس بغنيمة ، وكلاهما مندرج تحت المكسب عموماً ، كما لا يخفى .[20]

 

وإلى هنا ثبت بأن المعنى الثاني يرجع إلى المعنى الثالث بالنتيجة ، وعليه فبعد أن خرج المعنى الأول عن موضع النزاع ، والثاني رجع إلى الثالث يفترض حينئذ  أن يكون المعنى الثالث هو المتعين .

هذا بالإضافة إلى أن المعنى الثالث وهو عموم المكسب هو المتناسب والمتلائم مع إطلاق النص القرآني ، وبعبارة أخرى : إنَّ إطلاق الآية إنما يقتضي المعنى الثالث دون سواه ، فيكون الأخذ به كما يقول العلامة المؤلف ( قده ) هو الأحوط والأولى ، إلا أن يدل على التخصيص دليل معتبر من السنة فيؤخذ به .

وبهذه النتيجة  يكون العلامة العمران ( قده ) قد وصل إلى نهاية البحث حول مفردة  ( الغنيمة ) في النص  .

 

2- البحث الثاني : البحث حول عموم العناوين الثلاثة ( اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ) .

 

وهنا يدور البحث حول أنَّ العناوين الثلاثة هل هي مقيدة  ومخصصة ببني هاشم ؟ أم هي عامة لهم ولغيرهم من عامة الناس ؟

 

    وقد ذكر المؤلف العلامة (قده) وجود رأيين فقط  :

 

1-            الأول : القول بالخصوص ، وهو رأي الإمامية .

2-             الثاني  : القول بالعموم ، وهو رأي العامة .

 

وهنا الشيخ المؤلف ( قده ) غاية ما يحاول أن يثبته هو تصحيح نسبة الرأي الأول إلى الإمامية ، وذلك لأنه يعترضه في هذا المقام رأي من يقول - من الإمامية - بتعميم العناوين الثلاثة إلى بني عبد المطلب أيضاً المستند إلى رواية زرارة عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وهي قوله : " لو كان العدل ما احتاج هاشمي ، ولا مطلبي إلى صدقة ، إن الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم " .[21]

فكان جهده ( قده ) منصباً هنا على توهين هذا الرأي ، وإثبات عدم تأثيره على نسبة الرأي الأول لمطلق الإمامية ، وذلك من خلال جهات ثلاث  :

 

1- الجهة الأولى : عرض أقوال أعلام الطائفة .

 

وكأن غرضه من هذه الجهة التدليل على أن أقوال علماء الطائفة خير شاهد على ما يريد إثباته ، وقد اكتفى بعرض قولين لعَلَمين من أعلام فقهاء الإمامية ، وأصحاب التخصص في هذا المجال ، أحدهما هو الفقيه الأعظم صاحب الجواهر ( الموسوعة الفقهية العملاقة ) ، حيث نقل عنه قوله :

" والخبر المذكور - أي خبر زرارة - مع قصوره عن المقاومة بإعراض المشهور ، وغيره ، وموافقته لظاهر المروي من طرق العامة – عن النبي G إنه قـال : إنا وبنو  المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ، وشبك بين أصابعه ، وقال : بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد – محتمل لإرادة النسبة إلى عبد المطلب بحذف أول الجزئين كغيره من النسبة إلى المركب ، وإن كان مقتضياً لجعله من عطف التفسير الذي لا تأسيس فيه ، والله أعلم " [22].

 

2- الجهة الثانية : توهين مستند القول الشاذ .

 

وقد لجأ (قده) لهذه الجهة كمرحلة ثانية من أجل الإطاحة بهذا القول من أساسه ، فعمدَ إلى نفس رواية زرارة ، وطبق عليها ما اشتهر عند الأصوليـين من كاسرية إعراض المشهور للخبر المعرَض عنه ، فقال :

" وكيف كان فلا يخفى على من تـتبع فقه الإمامية : أن هذا الخـبر - أعني رواية زرارة - المذكورة غير معمول بها عندهم ، بل هم معرضون عنها كما صرح بذلك صاحب الجواهر في كلامه الآنف ، فلاحظ بدقة " [23] .

 

3- الجهة الثالثة : عرض الروايات المؤيدة للمدعى . 

 

وتتميماً للجهتين المتقدمتين أضاف ( قده ) نقطة في غاية الأهمية لإثبات مطلوبه ، وهي الروايات المخصصة للعناوين الثلاثة المتقدمة في بني هاشم فقط ، فذكر ثلاث روايات نكتفي بذكر واحدة منها ، وهي المروية عن سُليم بن قيس الهلالي ، قال : خطب الأمير (عليه السلام) وذكر خطبة طويلة جاء فيها : نحن والله الذي عنى الله بذي القربى ، الذي قرننا بنفسه وبرسوله ، فقال : فلله ، وللرسول ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين، وابن السبيل، فينا خاصة ، إلى أن قال : ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيباً ، أكرم الله رسوله وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس ، فكذبوا الله ، وكذبوا رسولهG وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا ، ومنعونا فرضاً فرضه الله لنا " .

 

وبتمام هذه الجهات الثلاث يكون المؤلف العلامة ( قده ) قد أحكم تصحيح نسبة القول بالتخصيص للإمامية .

وإلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية ما أردنا بيانه من أبعاد هذه الرسالة الشريفة ، وكل ما يجده القارئ من قصور في العرض والأداء فإنه لا يمت إلى الرسالة الشريفة بصلة ، بل هو من آفات العقل القاصر والقلم العاثر لكاتب هذه السطور ، وإن كانت هناك ثمة فائدة فإنها من رشحات قدس شيخنا العلامة المؤلف ( طيب الله تربته ولا حرمني شفاعته ) وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .  

 

 

  المصادر

1-             القرآن الكريم .

2-     الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية ، العلامة الشيخ فرج آل عمران ( قده ) ، النجف الأشرف ، مطبعة النجف ، عام 1382هـ .

3-             الأصول العامة للفقه المقارن ، للعلامة السيد محمد تقي الحكيم ( قده )  ، بيروت ، دار الأندلس .

4-     الإمام شرف الدين مصلحاً ومفكراً وأديباً  ، إصدار مؤتمر تكريم المفكر الإسلامي السيد عبد الحسين شرف الدين ، بيروت .

5-     الخمس على المذاهب الخمسة ، للعلامة الشيخ فرج آل عمران ( قده )  ، النجف الأشرف ، مطبعة النجف ، الطبعة الثانية .

6-             دروس في الفقه المقارن ، للعلامة الشيخ إبراهيم الجناتي ، قم المقدسة .

7-     مصباح الأصول ، لأستاذ الفقهاء والمجتهدين الإمام الخوئي (قده) ، إيران ، منشورات مكتبة الداوري ، عام 1412هـ .

 

 

 



[1] الأصول العامة للفقه المقارن ، ص 13   .

[2] دروس في الفـقه المقـارن ، ص 9    .

 

[3] دروس في الفـقه المقـارن ، ص 9    .

[4] الأصول العامة للفقه المقارن ، ص 15   .

[5] الأصول العامة للفقه المقارن ، ص 14   .

[6] البعد الفقهي في شخصية الإمام شرف الدين العلمية ، للشيخ محمد مهدي شمس الدين ، دراسة مطبوعة ضمن كتاب ( الإمام شرف الدين ، مصلحاً ، ومفكراً ، وأديباً ) ص 44  .

[7] الأزهار الأرجية ، ج1 ص 45  .

[8] الأزهار الأرجية ، ج4 ص 93  .

[9] المصدر المتقدم .

 

[10] الخمس على المذاهب الخمسة ، ص 3  .

[11] سورة الأنفال ، الآية 41  .

[12] الخمس على المذاهب الخمسة ، ص20  .

[13] المصدر المتقدم ، ص 20 ، 21  .

[14] التعبير عن كيان التشيع المبارك بمفردة ( المذهب ) ما هو إلا تعبير مسامحي ، درج عليه علماؤنا تنزلاً مع الطرف الآخر ، وإلا ففي واقع الأمر لا توجد اثنينية بين كيان التشيع المبارك وكيان الإسلام بل هو هو جملة وتفصيلاً ، وهذا ما يؤكد خطأ التعبير عن التشيع بالمذهب إلا على وجه المسامحة والتجوز ، لأنه ليس وجهة نظر في فهم الإسلام كبقية المذاهب الأخرى .

[15] الخمس على المذاهب الخمسة ، ص 30  .

[16]الخمس على المذاهب الخمسة ، ص 26 .

[17] الخمس على المذاهب الخمسة  ، ص 5  .

[18] يظهر من عبارته ( قده ) أنه قد اعتبر عموم الوارد أمراً مفروغاً عنه ؛ ولذلك تسنى له أن يُطبِّق قاعدة ( خصوص المورد لا يخصص الوارد ) ؛ إذ مع عدم انعقاد العموم أو الإطلاق لا يمكن التمسك بالقاعدة المذكورة ، وهذا ما أشار إليه السيد الخوئي ( قده ) في ( مصباح الأصول ) ج 3 ص 413 حيث قال : وما اشتهر من أن المورد لا يكون مخصصاً مسلم فيما إذا كان في كلام المعصوم إطلاق أو عموم ، فيؤخذ بالإطلاق أو العموم ولو كان المورد خاصاً .

[19] الخمس على المذاهب الخمسة  ، ص 6  .

[20] الخمس على المذاهب الخمسة ، ص 6  .

[21]الخمس على المذاهب الخمسة ، ص 9  .

[22] الخمس على المذاهب الخمسة ، ص 9  .

[23] الخمس على المذاهب الخمسة ، ص 10 .

[ عدد الزيارات: 5389]  

تعليقات الزوار
الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني