شبكة الضياء
بحوث ومقالات »

أطـروحة لزوم تجديد المنبر

أطـروحة لزوم تجديد المنبر .. عـرض ونقد

 

    عن معتب مولى  أبي عبدالله u قال: سمعته يقول لداود بن سرحان: "يا داود أبلغ موالي عني السلام وأني أقول: رحم الله عبدًا اجتمع مع آخر فتذاكر أمرنا، فإن ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله تعالى بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر،  فإنَّ في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس من بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا  إلى ذكرنا" [1]

    من خلال هذه الرواية الشريفة سيكون حديثنا منصبًا في نقطتين:

النقطة الأولى: أهمية المنبر الحسيني.

    الذي نعتقده ابتداءً: أنَّ لهذا المنبر المبارك أهمية خاصة تقتضي احترامه والاهتمام به، ومنشأ هذه الأهمية يعود لأحد أمرين:

    الأمر الأول: إنَّ المنبر الحسيني يشكل همزة الوصل بين الشيعة وأئمتهم؛ إذ أنَّ الأئمة "عليهم السلام" قد وضعوا قناتين لاتصال شيعتهم بفكرهم ومبادئهم ومفاهيمهم "سلام الله عليهم"، وهما:

    القناة الأولى: المنبر الحسيني، فإنَّ أول من غرس بذرة المآتم الحسينية الشريفة هم الأئمة u، كما تشيرُ إلى ذلك الكثير من الروايات.

 

    القناة الثانية: المرجعية الدينية، وقد تحدثتْ عن تقنين هذه القناة عدةٌ من الروايات أيضاً، ومنها: قول الإمام العسكري u: "فأما من كان من الفقهاء صائنـًا لنفسه، حافظـًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه" [2] ، وقول الإمام المهدي u: "فأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله" [3].

    ومن خلال هاتين القناتين الشريفتين نستطيع أن نتعرف على الكثير من مفاهيمنا الدينية والتربوية والسياسية والاجتماعية وغيرها، التي جاءَ بها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)؛ ولأنَّ المنبر الحسيني المبارك هو قناة الاتصال الفاعلة بين الشيعة وأئمتهم (عليهم السلام)؛ نظراً لاعتماد قناة المرجعية الدينية عليه بصورةٍ أساسية؛ لذلك كانت له من الأهمية ما ليس لغيره.

    الأمر الثاني: تكمن أهمية المنبر الحسيني في كونهِ هو الوسيلة الإعلامية الأولى عند الشيعة الإمامية، فإنه رغم التطور الهائل لوسائل الإعلام بمختلف أصنافها، ورغمَ تعدد المنابر الإعلامية للشيعة، إلا أنَّ كل هذه الوسائل ما استطاعت أن تحدَّ من دور المنبر الفاعل، بل لا زال المنبر الحسيني في عموم مناطق الشيعة وبلدانهم هو قناة الإعلام الأولى التي ترفد الشيعة بالعطاءين: المعرفي والعاطفي، وهذا ما يؤكد أيضاً أهمية المنبر الحسيني وضرورة الاهتمام به.

 

    النقطة الثانية: مناقشة دعوى احتياج المنبر الحسيني إلى التجديد.

 مع بدءِ موسم عاشوراء من كلِّ عام، تكثر الأطروحات من قبل بعض مثقفي الشيعة، والتي من جملتها الأطروحة القائلة: إنَّ المنبر الحسيني يحتاج إلى التجديد والتطوير.

    فهل هذه الأطروحة أطروحة صحيحة؟ أم هي قابلة للنقد والمناقشة؟

  إنَّ معرفة وجه الحق في ذلك تتوقف على بيان ثلاث مقدمات:

    المقدمة الأولى: بيانُ المقصود من مصطلح "التجديد".

    وحاصلُ الكلام حول هذه المقدمة: أنَّ التجديد في الاستعمالات الشرعية والعرفية له معنيان:

    المعنى الأول: إلغاء الوجود السابق، واستحداث وجود جديد.

    المعنى الثاني: التحفظ على الوجود السابق، مع إضافة بعض العناصر الجديدة إليه.

    ويمكن التمثيل لذلك بمثالين عرفيين وآخرين شرعيين، أما المثالان العرفيان فإنه يقال للإنسان إنه جدّد بيته في حالتين:

 

    الحالة الأولى: أن يهدم بيته ويعيد بناءه من جديد، فيقال له: جدَدَّ بيته.

   الحالة الثانية: أن يحتفظ بهيكل البيت كما هو، ويقوم ببعض أعمال الصيانة فيه، فيقال له أيضاً: جدّد بيته.

    وهذا يعني أنَّ التجديد تارةً يُطلق على استحداث شيء جديد لم يكن له وجود في الخارج، وأخرى على إضافة أمر آخر إلى وجود متحقق في الخارج.

    وذات المعنى موجود في الاستعمالات الشرعية، فمثلاً: ورد عن أمير المؤمنين u: "من جدد قبرًا أو مثّل مثالاً فقد خرج عن الإسلام" [4], وحين نرجع إلى كلمات الفقهاء فإنهم يقولون: إنَّ تجديد القبور المندرسة لغير الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) والعلماء (رضيَ الله عنهم) إما أن يكون مكروهاً أو محرّماً، فإنَّ تجديد القبر في المقابر الموقوفة لعموم المؤمنين إذا كان يوجب المزاحمة لدفن بقية المؤمنين فهو محكومٌ بالحرمة، وإذا كان لا يوجب ذلك فإنه يكون مكروهاً .

   وهذا التجديد – المحكوم بالحرمة تارةً وبالكراهة تارة أخرى – يُرادُ به التجديد بمعناه الأول، وهو: استحداث وجود جديد بعد اندراس الوجود السابق.

    وفي الفقهِ أيضاً يُستخدم التجديد بمعناه الثاني – وهو: إضافة شيء جديد لشيء موجود في الخارج – ويمكن التمثيل له بتجديد الوضوء، ففي الرواية عن الإمام الصادق u: "مَن جددَ وضوءه لغير حدثٍ جددَ اللهُ توبته من غير استغفار" [5]، وبيانُ ذلك أنَّ معظم الفقهاء قائلون باستحباب الوضوء التجديدي، ومرادهم منه أن الإنسان حين يتوضأ ثم لا يحدث شيئاً من مبطلات الوضوء، فإنه أيضاً يستحب له أن يتوضاً مرةً أخرى، مما يعني أنَّ الوضوء التجديدي هذا لا يلغي الوضوء السابق، بل يضيف له أمراً جديداً ليسَ إلا؛ ولذلك وردَ في الرواية عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): "الوضوء على الوضوء نور على نور" [6]، وهذه الرواية صريحة في كون التجديد بمعنى إضافة أمر جديد على الوجود السابق.

    المقدمة الثانية : هدف المنبر الحسيني.

        للمنبر الحسيني أهداف ثلاثة:

    الهدف الأول: بيان المفاهيم الدينية للأئمة الأطهار (ع).

    الهدف الأول من أهداف المنبر: بيان المفاهيم الدينية للأئمة (عليهم السلام) في الفقه والعقيدة والسلوك، كما تشهد بذلك الرواية المروية عن أبى عبد الله الصادق u قال: "تجلسون وتتحدثون؟ قلت: نعم، قال: تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا، رحم الله من أحيى أمرنا، يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج عن عينيه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر "[7].

 

    الهدف الثاني : صيانة الفكر الشيعي عن الانحراف.

    والهدف الثاني من أهداف المنبر: صيانة الأفكار عن الانحراف، وردِّ الشبهات المنحرفة، وتشهد لذلك قضية دعبل الخزاعي مع الإمام الرضا u، فإنه لما دخلَ عليه، وأمره الإمام u بإلقاء قصيدته الخالدة، ثمَّ كافأه عليها – وكان إلقاء القصائد الرثائية آنذاك هو الصيغة المتعارفة للمأتم الحسيني – يمكن من خلال نفس قصيدته استكشاف الخطوط العامة للمنبر المرضي عند أهل البيت (عليهم السلام).

    وخلاصة ما تعرض له دعبل (رحمه الله) في قصيدته المباركة أنه بيّن أولاً مظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، ثمَّ تعرض لبعض الحقائق التاريخية، وفي الضمن تعرض أيضاً لبعض الشبهات ونَقَدَها، ومن أمثلة ذلك قوله:

 

ولو قَلَّدُوا المُوصى إليهِ أمورَهُمْ

 

لَزُمّت بمأمونٍ عن العَثَـراتِ

أخا خاتمِ الرُّسْلِ المُصفَّى عن القذى

 

ومُفتَرِسَ الأبطال في الغمراتِ

فإنْ جحدوا كانَ الغديرُ شهيدَهُ

 

وبَدْر وأُحْد شامخ الهضباتِ

 

    وبالتأمل في هذه الأبيات الثلاثة يظهر أنَّ دعبل الخزاعي قد تعرض في منبره – الذي باركه له الإمام الرضا u وكافأه عليه – للشبهة المتعلقة بإمامة أمير المؤمنين  uوتقديم غيره عليه، ونقدَ هذه الشبهة، وأوضحَ أن الإمامة للإمام علي u، وأنَّ يوم الغدير وبدر وأحد شهود على أحقيته u بالإمامة.

    ونظراً لأنَّ الإمام الرضا u قد ارتضى هذه القصيدة، فإنه قد نهض بعد فراغ دعبل من إنشادها، وأمره أن لا يبرح موضعه، ودخل الدار، ولما كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية، فقال له: يقول لك مولاي: اجعلها في نفقتك، فقال دعبل: والله ما لهذا جئت، ولا قلت هذه القصيدة طمعًا في شي‏ء يصل إليَّ، وردّ الصرة، وسأل ثوباً من ثياب الإمام الرضا u ليتبرك ويتشرف به، فأنفذَ إليه الإمام الرضا u جبة خَّز مع الصرة، وقال للخادم: قل له: خذ هذه الصرة، فإنك ستحتاج إليها، ولا تراجعني فيها، فأخذ دعبل الصرة والجبة وانصرف[8].

    ومن إقرار الإمام الرضا u للقصيدة ومضامينها يُعلم أنَّ واحداً من الخطوط العامة التي ينبغي أن يكون عليها المنبر الحسيني: ردُّ الشبهات المنحرفة.

 

    الهدف الثالث : ترسيخ مبدأ التولّي والتبرّي.

    وأما الهدف الثالث الذي ينبغي أن تتوخاه المنابر الحسينية الشريفة فهو: ترسيخ حالة الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) من ناحية، وتفعيل حالة البراء والعداء لأعداء أهل البيت (عليهم السلام) من ناحية أخرى؛ ولذلك جاءت النصوص الشريفة تركّز على إثارة مظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، ومنها قول الإمام الرضا u: "من تذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلساً يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلب "[9] ، وأمثالها من الروايات كثير.

    وتركيز الأئمة (عليهم السلام) على إثارة مظلوميتهم ضمن المجالس الحسينية، يتوخونَ منه غرضين:

    الغرض الأول: تقريب الناس من أهل البيت (عليهم السلام)، وشدُّ عواطفهم بهم؛ باعتبار ما يترتب على عرض المظلومية من إثارة العواطف وتوهجها.

    الغرض الثاني: تنفير الناس عن أعداء أهل البيت (عليهم السلام) .

    فإنه كلما عُرضت مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) أوجبت تعلق القلوب بهم، والتنفير من أعدائهم، فإنَّ كلَّ قلبٍ يسمع بما جرى على الصديقة الطاهرة (عليها السلام) لن يزداد لأعدائها وظالميها إلا بغضاً، وكلُّ قلب يسمع بما جرى على سيد الشهداء الحسين u لن يزداد لقتلته إلا كُرهاً.

    والمحصَّلة: فإنَّ مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) حين تترسخ في نفوسنا، وتختلط بقلوبنا ومشاعرنا تشدُّ قهراً علاقتنا بهم، وتنفرنا عن أعدائهم.

    ولذلك تجد الإعلام المعاصر عندما يريد تحريك قضيةً من القضايا بشكلٍ واسع، فإنه دائماً ما يُركِّز على الجانب المأساوي للقضية، باعتبار أنَّ جنبةَ المظلومية هي التي توجب التفاعل العاطفي مع القضية، وتحرِّك مشاعر الغضب العالمي تجاه الظالمين. 

    المقدمة الثالثة : متى نحتاج إلى التجديد؟

    من الواضح: أنَّ العقلاء إنما يلجؤن لحركة التجديد فيما لو لم يتحقق هدفهم من خلال الوجود السابق الذي تحت أيديهم، فمثلاً لو كانَ الإنسان يمتلك سيارة أو منزلاً فإنه لن يقدم على تجديدهما إلا فيما لو لم يكونا محققين لأهدافه واحتياجاته، وأما لو كان الوجود الحالي للمنزل أو السيارة أو غير ذلك محققاً لحاجته وهدفه، فإنه لن يقدم على حركة التجديد، بل سيعتبر ذلك لوناً من ألوان الترف والعبثية.

 

    وبعد أن عرضنا هذه المقدمات الثلاث نعود إلى صلب الموضوع، وهو: هل أنَّ الأطروحة الداعية إلى تجديد المنبر الحسيني أطروحة صائبة، أو غير صائبة؟

    وللإجابة عن هذا السؤال لا بدَّ أن نفهم أولاً: ما هو مقصود المطالبين بالتجديد من التجديد؟ إذ قد اتضح لنا مِن خلال ما سبقَ أنَّ التجديد يطلق على معنيين.                

    فنقول: إنْ كان مقصودهم منه المعنى الأول، بمعنى استحداث شيء جديد بعد إلغاء الوجود السابق، فهذه الدعوى مرفوضة جملة وتفصيلاً؛ لأنَّ المنبر – بوجوده الفعلي – لا زال يؤدي رسالته بقوة وفاعلية؛ إذ لا زالَ يحقق الأهداف المرجوة منه، والتي تقدمَ الحديث عنها ضمن المقدمة الثانية.

    وإذا كان المنبر الشريف لا زال يحقق أهدافه فمن اللغو والعبثية حينئذ السعي إلى تجديده بالمعنى الأول للتجديد؛ بل إنَّ ذلك – بمقتضى المقدمة الثالثة المتقدمة – ليس تصرّفاً عقلائياً.

    والمحصلّة: فإنه ليس يمكن التنازل عن المنبر الحسيني – بوجودهِ  الفعلي – وتجديده، إن كان المراد من التجديد إلغاؤه واستحداث وجود آخر مباينٍ لوجوده الحالي.

    وإنْ كان مقصودهم من التجديد معناه الثاني، وهو إضافة بعض الأمور للمنبر الحسيني، فنقول: إنَّ هذه الأمور التي نحاول إضافتها إلى المنبر الحسيني إن كانت لا تصب مصبَّ أهدافه، فتجديد المنبر بها يكون تشويهاً له ومسخاً لهويته، وإن كانت العناصر المُضافة مما تتطلبها نفس أهداف المنبر فالتجديد بها مطلوب؛ ومن هذا المنطلق نقول: إنَّ المنابر الحسينية النسائية بحاجةٍ إلى التجديد بالمعنى الثاني، أي: إضافة بعض الأمور – التي تفتقدها – إليها، كبيان المعارف الفقهية والعقائدية.

    ومما ذكرناه اتضح أنَّ الأطروحة القائلة: "بأنَّ المنبر الحسيني يحتاج إلى التجديد" وإن كانت أطروحة ذات شعار برّاق، إلا أنه لا يمكن قبولها بشكل مطلق، بل لا بدَّ من الوقوف عندها وقوف المتأمل، بالنحو الذي أوضحناه.

 



[1] بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار. مصدر سابق، باب مذاكرة العلم، ومجالسة العلماء والحضور في مجالس العلم، ح8، ص200.

[2] وسائل الشيعة. مصدر سابق،ج27، باب عدم جواز تقليد غير المعصوم u فيما يقول برأيه وفيما لا يعمل فيه بنص عنهم "عليهم السلام"، ح20، ص131.

[4] من لا يحضره الفقيه. محمد بن علي بن بابويه، ضبطه وصححه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه الشيخ محمد جعفر شمس الدين، بدون ط، بيروت: دار التعارف للمطبوعات، 1411هـ ، ج1، 192- باب النوادر، ح21 ص 27.

[5] نفس المصدر. 8-باب صفة وضوء رسول الله "صلى الله عليه وآله" ، ح9، ص 97.

[6] نفس المصدر.

[7] وسائل الشيعة. مصدر سابق، ج12، 10- باب استحباب اجتماع الإخوان ومحادثتهم، ح1، ص20.

[8] عيون أخبار الرضا. محمد بن علي بن بابويه،ط1، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404هـ، ج1، 66- باب في ذكر ثواب زيارة الإمام الرضا u، ح34, ص294-295.

[9] المصدر نفسه. ج2، 28-باب فيما جاء عن الإمام علي بن موسى u من الأخبار المتفرقة، ح48، ص264.

[ عدد الزيارات: 3945]  

تعليقات الزوار
الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني