شبكة الضياء
بحوث ومقالات »

الأدعية والزّيارات بين منهج التّـأصيل ومنهج التّشكيك

الأدعية والزّيارات بين منهج التّـأصيل ومنهج التّشكيك

 

قال سيدنا ومولانا وإمامنا الصّادق (ع) : m الرّاوية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابدn ([1]) .

وانطلاقاً من هذه الرواية المباركة نتناول موضوع mالأدعية والزّيارات بين منهج التّأصيل ومنهج التّشكيكn في نقطتين :

 

1 / النقطة الأولى : بيان منهج التّعامل مع نصوص الأدعية والزيارات .

هنالك منهجان في السّاحة الشيّعيّة للتّعامل مع نصوص الأدعية والزّيارات :

 

1- المنهج الأول : منهج التأصيل .

وهو المنهج الذي يحاول المحافظة بقدر الإمكان على الأدعية والزيارات الواردة إلينا عن طريق المعصومين ( ، وعدم إثارة الشّكوك حولها ، بحيث حتى لو كانت هنالك ثغرة في سند بعضها لدى أصحاب هذا المنهج ؛ فإنهم يحاولون ترميمها ومعالجتها بمقدار ما يسمح به المجال العلمي ، وهذا المنهج هو الذي دأب عليه مشهور علماء الطائفة ( أعلى الله كلمتهم ) ، ولا بأس بالإشارة إلى بعض النماذج من فتاواهم وأجوبتهم التي تكشف عن تبنيهم لهذا المنهج .

النموذج الأول : مرجع الشيعة الأكبر ، السيد البروجردي ( طيّب الله
ثراه ) ، فإنه لما سئل عن سند دعاء الندبة أجاب إجابة مطولة ، ثم تحدث في نهايتها عنه وعن محمد بن الحسين بن سفيان البزوفري الراوي للدعاء في كتابه ، بما يدل على منهج التأصيل ، حيث أفاد   قائلاً :
m وعلى كلّ حالٍ هو من الشيوخ الثقات ، وقد روى الشيخ أبو جعفر الطوسي في مشيخة التهذيبين عن شيوخه عنه كثيراً ، وظاهره الاعتماد عليه ، فبعد ثبوت نقل الدعاء عن كتابه يمكن أن يُعتمد عليه في نقله ، وكان هذا المقدار في أمثال الأدعية والمستحبات كافياً ، وقراءته برجاء المطلوبية لا بأس بها n ([2]).

النموذج الثاني : العَلَم المجاهد ، الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ( أعلى الله درجته ) ، حيث أجابَ عن سؤالٍ موجهٍ إليه حول دعاء الصباح بقوله : m و بالجملة فما أجود ما قال بعض علمائنا الأعلام : ( إننا كثيراً ما نصحح الأسانيد بالمتون ) ، فلا يضرّ بهذا الدعاء الجليل ضعف سنده مع قوة متنه ، فقد دلّ على ذاته بذاته ، سبوح لها منها عليها شواهد n ([3]) .

النموذج الثالث : سيد الفقهاء والمجتهدين ، السيد الخوئي ( أعلى الله مقامه ) ، ويتضح منهج التأصيل من خلال عدة فتاوى له ، أكتفي بنقل ثلاث منها :

الأُولى : سُئِلَ ! عن زيارة عاشوراء الواردة في كتاب ( مصباح المتهجد ) ، وإجزاء قرائتها عن الزيادة المذكورة في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه ! ، فأجابَ عن ذلك بقوله : m يجزئك أن تقرأ من أيٍ من النسختين مورد مخالفتهما عن الأخرى ، برجاء أن يكون هو الواقع
الوارد
n ([4]) .

الثانية : سُئِلَ ! عن الدعاء الذي نقلَ السيد اليزدي ( أعلى الله مقامه ) في عروته الوثقى عن جمعٍ من العلماء استحباب المداومة عليه في القنوت ، وهو : ( سبحان من دانت له السماوات والأرض بالعبودية ، سبحانَ من تفرّد بالوحدانية ، اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم ، اللهم اغفر لي ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، واقضي حوائجهم وحوائجي بحق حبيبك محمد وآله الطاهرين ، صلى الله عليه وعليهم أجمعين ) ، فأجاب ! عن ذلك بقوله : m لا بأس به رجاءً ، والله العالم n ([5]).

الثالثة : سُئِلَ ! عن ( دعاء الفرج ) الذي قيلَ بأنه أفضل ما يقال في القنوت ، فأجاب بقوله : m يؤتى به رجاء الفضل ، يعطى ثواب الفضل ، والله العالم n ([6]) .

النموذج الرابع : سماحة آية الله العظمى ، السيد السيستاني ( دامَ ظله الوارف ) ، فإنه لما سئل عن دعاء السمات والعشرات والسيفي الصغير ، وسُئِل عن جميع الأدعية المذكورة في كتاب مفاتيح الجنان ، أجابَ عن ذلك بإجابةٍ واحدة فقال : m إنّها أدعيةٌ مأثورةٌ عن الأئمة المعصومين ( عليهم أفضل الصلاة والسلام ) ، فلا بأس بقراءتها ، وقارئها مأجورٌ ومُثابٌ إن شاء الله تعالىn ([7]) .

النموذج الخامس : سيدنا الأستاذ ، سماحة آية الله العظمى ، السيد محمد صادق الحسيني الروحاني ( دامَ ظله الوارف ) ، فإنه لما سئل عن صحة سند دعاء التوسل والزيارة الجامعة وزيارة عاشوراء ، أجابَ عن ذلك بقوله : m سند زيارة عاشوراء والجامعة معتبر لا إشكال فيه ، وأما دعاء التوسل فهو دعاء مشهور ، وضعفُ سنده لا يضر به ، بعد البناء على تمامية قاعدة التسامح في أدلة السننn ([8]) .

ولمّا سُئِلَ عن سند دعاء الندبة أجاب : m الدعاء واردٌ في غير واحدٍ من كتب القدماء المعتمدة ، وعدم وروده بسندٍ معتبر لا يضر به بعد كونه مشمولاً لقاعدة التسامح في أدلة السننn ([9]) .

النموذج السادس : سماحة آية الله العظمى ، السيد محمد سعيد الحكيم ( دام ظله الوارف ) ، فإنه لما سئل عن دعاء الندبة سنداً ومتناً أجابَ قائلاً : m سنده ليس صحيحاً بالمعنى المصطلح ، إلا أنه مشهور بين قدماء الأصحاب M ، وذلك مما يوجب الوثوق به مع تعدد طرقه ، وأما متنه فهو عالي المضامين جيّد السبك ، وعلو مضمونه وجودة سبكه من شواهد صدقهn ([10]) .

والذي ننتهي إليه من خلال مرورنا بهذه النماذج : أنَّ دأب علمائنا
( أنارَ اللهُ برهانهم ) ليس على إثارة الشّكوك حول نصوص الأدعية والزيارات ، بل إنَّ ديدنهم على الدوام محاولة تأصيلها والمحافظة عليها ، وفتح المجال أمام النّاس من أجل قراءتها والمداومة عليها .

 

2ــ المنهجُ الثاني : منهج التّشكيك .

وهذا المنهج المعاصر هو المنهج الذي يتبنى مشروع التّشكيك في الأدعية والزّيارات ، ومن جملة إفرازات هذا المنهج : تضعيفُ كلٍ من زيارة عاشوراء والزيارة الجّامعة ودعاء الندبة وزيارة النّاحية وحديث الكساء ودعاء التّوسل وغير ذلك ، وأصحابُ هذا المنهج قد اشتهروا وعُرِفوا بمخالفتهم لمنهج المشهور ، ولا نجد حاجةً لسرد شيء من كلماتهم وأقوالهم ؛ فإنها قد ملأت الخافقين .

ولكنَّ الذي أجدني بحاجةٍ للوقوف عنده هو بيان عوامل ولادة هذا المنهج التشكيكي في قبال منهج التأصيل ، والذي انتهيت إليه من خلال تتبعي لكلماتهم أنها وليدة عاملين رئيسيّين ، وهما :

 

1. العامل الأول : القصور العلمي والمعرفي .

وهذا ما يظهر من كلمات بعضهم ، ويشهد لذلك ــ مثلاً ــ ما عوَّلَ عليه أحدهم في حكمهِ بعدم صحة الزيارة الجامعة ، حيث بنى حكمه على أنَّ بعض مضامينها تتصادم مع القرآن الكريم ، بضميمة ما ورد في الروايات الشريفة : مِن أنّ ما خالف القرآن فاضربوا به عرض الجدار ، وقد صوَّر التعارض بين مضامين الزيارة والقرآن من خلال الفقرة القائلة : m وإياب الخلق إليكم ، وحسابهم عليكمn ([11]) ، وقوله سبحانه وتعالى : ]إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ & ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ[ ([12]) بادّعاء أنَّ الآية الكريمة صريحة في كون حساب الخلق على الله تعالى ، بينما الزيارة صريحةٌ في أنّ الحساب بيد الأئمة ( ، وهذا تعارضٌ بيّنٌ مع القرآن الكريم ؛ ولذا لابدّ من ضرب زيارة الجامعة بالجدار .

وليس يخفى أنّ هذا الإشكال نابعٌ عن قصورٍ علميٍّ ومعرفيٍّ ؛ إذ أنّنا لو التزمنا بهذا النحو من التّفكير للزم علينا أن نرفض عدةً من الآيات القرآنية ، ومنها : قوله تعالى : ] قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ [ ([13]) ، وقوله تعالى أيضاً : ] الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [ ([14]) ؛ لأنهما تتنافيان مع قوله ( تباركَ وتعالى ) : ] اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا[ ([15]) ، حيث صرّحت هذه بأنّ المتوفّي هو الله تعالى ، بينما تلك الآيتان صرحتا بأنَّ المتوفِّي هو ملك الموت والملائكة .

وحلُّ الإشكال بأن يُقال : إنّ الفاعل الذي يُسْنَد إليه الفعلُ على قسمين :

القسمُ الأول : الفاعل بالتسبيب .

القسم الثاني : الفاعل بالمباشرة .

فمثلاً : عندما يأخذ شخصٌ مسدساً ويطلق النّارَ على شخصٍ فيقتله ، فإنّه يكون فاعلاً للقتل بالمباشرة ، وأمّا لو أعطى المسدّس بيد إنسانٍ وأمره بأنّ يقتل شخصاً آخر ، فإنّه يكون فاعلاً للقتل بالتسبيب ؛ لأنّه هو الذي تسبّب في القتل ، وإن كان المباشر شخصاً آخراً .

وكما تصحّ نسبة الفعل إلى الفاعل بالمباشرة ، تصحّ نسبته إلى الفاعل بالتسبيب ؛ ولذلك يصح أن يُقال : m صدام قتل الشعب العراقي n لأنّه الفاعل للقتل بالتسبيب وإن لم يباشر عملية القتل بنفسه ، فالفعل كما يُنْسَب إلى فاعل القتل بالمباشرة كذلك يُنْسَب إلى الفاعل بالتسبيب .

وهكذا يُقال بالنسبة لقضية الإماتة ، فإنّها لا يمكن أن تتحقق إلا بإذن الله تعالى وأمره ، إلا أنه لا يباشرها بذاته المقدّسة إلا في موارد مخصوصة ، وإنما يباشرها ملك الموت وأعوانه من الملائكة ؛ ولذلك نُسِبت الإماتة تارةً إلى ملك الموت وأعوانه لأنّهم المباشرون ، ونُسِبَت تارةً أخرى إلى الله تعالى لأنّه المسبّب .

وبنفس هذه الإجابة نجيب عن إشكالية تعارض الزيارة الجامعة مع القرآن الكريم ؛ إذ أنَّ الله تعالى هو المالك للحساب كما أنّه المالك للإماتة ، وكما أنه بإذنه لملك الموت في الإماتة يكون مسبباً لها ، كذلك بإذنه للمعصومين ( بالحساب يوم القيامة يكون مسبّباً له ، وكما أنَّ ملك الموت بعد إذن المميت تعالى له بالإماتة يكون هو المباشر لها ، كذلك المعصوم % بعد إذن المُحاسب تعالى له بالحساب يكون هو المباشر له .

وكمّا صحّت نسبة الإماتة لله تعالى لتسبيبه لها ، ولملك الموت لمباشرته ، كذلك تصح نسبة الحساب لله تعالى لتسبيبه له ، وللمعصوم % لمباشرته له ، فلا يوجد تعارضٌ بين زيارة الجامعة والقرآن الكريم ، وليس هذا الإشكال نابعاً إلا عن القصور المعرفيّ والعلميّ .

 

2. العامل الثاني : المجاملة مع الآخر .

لا شك أنَّ التّعايش السلمي مع المخالِف ــ ولو كان كافراً ــ إذا كان مسالمًا لا حزازة فيه ، فهو أمرٌ عقلائي تقتضيه طبيعة الحياة ، وقد دعا إليه القرآن الكريم في قوله تعالى : ]لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ ([16]) .

وقد يصطلح البعض على ذلك فيما لو كان المخالِف مسلماً مصطلح
( الوحدة الإسلامية ) ، ولا مشاحة في الاصطلاح إن كان مقصوده من هذا الاصطلاح ما ذكرناه .

ومما يؤسف له أنَّ بعض من تبنّى هذا المصطلح لم يفهم مغزاه ــ بل قد يكون تعمّدَ إساءة فهمه ــ فراح يتنازل عن بعض الثوابت والأدعية والزيارات والروايات ؛ لأنّها تثير الطرف الآخر ، ومن شواهد ذلك تشكيك بعضهم في زيارة عاشوراء ؛ لأنّها مشتملةٌ على اللّعن ، واللّعن مثير للطرف الآخر ، بل إنّ بعض دور الطبع الشيعيّة قد أقدمت على طباعة كتاب ( مفاتيح الجنان ) ، وحذفت اللّعن من زيارة عاشوراء من أجل عدم إثارة الطرف الآخر .

وهذا فهم خاطئ لمبدأ التعايش ؛ إذ أنه لا يقتضي تنازلاً عن شيءٍ من النّصوص والثوابت والقيم والمبادئ ، بل يعني التعايش السلمي بين الأطراف ، ووضع اليد مع يد الطرف الآخر في مقابل العدو المشترك ، مع تحفظ كلّ طرف على ما يدين الله تعالى به ، كما كان عليه الحال في المجتمعات الإسلامية المختلطة في الأزمنة السابقة .

وإلا لو كان قوام التعايش السلمي بإبداء التنازلات عما يعتبره الطرف الآخر من المثيرات ، فإنّ مقتضى الإنصاف للدين والمذهب أن لا يبدي الطرف الشيعي تنازلاً من غير مقابل ؛ إذ ليس منطقياً أن يتنازل الوحدوي عن اللعن الوارد كتاباً وسنة ، مراعاةً لمشاعر الآخر ، والحال أنّ هذا في المقابل ليس يلعن مولانا وسيدنا أبا طالب % فحسب ، بل يكفّره ويبالغ في تكفيره ، من غير أدنى مراعاة لمشاعر الطرف الشيعي

 

2 / النقطة الثانية :  بيان عدم المبرّر لمنهج التّشكيك .

إنَّ بعض المتبنين لمنهج التشكيك والمروجين له يحاولون تبريره بتبريرين ، وهما :

 

1- المبرِّر الأول : النقاش العلميّ .

إنَّ عدة من المشككين في بعض نصوص الأدعية والزيارات ــ كزيارة عاشوراء ــ والمضعّفين لها ، قد برّروا تشكيكهم بأنه مجرّد مناقشةٍ علميّةٍ ، والعلم ليس حكراً على أحد .

 

وقفتان مع المبرّر الأول :

ولنا مع هذا المبرّر وقفتان :

الوقفة الأولى : إنَّ هذا المبرّر وإن كان صحيحاً في حدّ ذاته ؛ لكون باب العلم والاجتهاد مفتوحاً في المدرسة الشيعيّة ، إلا أنه ليس متجّهاً في المقام ؛ وذلك لأنّ المناقشة العلميّة لها مجالها وفضاؤها الخاص ، ولا يصح إطلاقها في غير موضعها وفضائها كما هو الحاصل .

ولأجل إيضاح الفكرة نقول : إنّ هناك خلافاً بين الفقهاء في العديد من المسائل الفقهيّة ، فبعضهم يرى لزوم الإتيان بالتسبيحة ثلاث مرات في ثالثة الثلاثية والرباعية وكذا في رابعتها ، بينما البعض الآخر يكتفي بالواحدة ، فهل من المقبول ممن يحيط بأدلّة الفقهاء ومدارك الفتاوى أن يرجّح إحدى الفتويين من خلال المنبر العام أو خطبة الجمعة ؟! من الواضح أنّ الجواب بالنفي ؛ إذ أنّ هذه الأبحاث أبحاث تخصّصيّة ، والأبحاث التخصّصيّة ليس المنبر الحسيني أو مصلَى الجمعة هو الفضاء المناسب لها ، وإنّما الفضاء المناسب لها هي الحوزات العلميّة المباركة ؛ لأنها هي المعنية بالأبحاث التخصصية المرتبطة بالنصوص الدينية .

الوقفة الثانية : إنّ تصحيح الراوية وتضعيفها عند علماء الطائفة ( أعزَّ اللهُ كلمتهم ) لا يعتمد على منهج واحدٍ فقط ؛ إذ يوجد هنالك منهجان :

 

1. المنهج الأول : منهج الوثوق المُخْبِرِي .

وأصحابُ هذا المنهج من علمائنا يقولون : إنَّ الرّواية لا يمكن الحكم عليها بالصحة إلا إذا كان المخبِرُ بها ثقةً ؛ ولذلك يُعَبَّر عن هذا المنهج بمنهج الوثوق المُخْبِرِي ؛ إذ يلاحَظ فيه وثوق المخبِر والراوي ، فعندما نقف على رواية يرويها الشّيخ الكليني [ قدّس سرّه ] مثلاً ، فإنه لا بدَّ من ملاحظة أحوال الرواة من الشيخ الكليني إلى المعصوم % ، فإذا ثبت أنّهم ثقاتٌ لا يكذبون جميعاً كانت الرواية محكومة بالصحة ، وإلا لو وجدوا ولو راوياً واحداً فقط غير موثق فإنّهم يحكمون على الرّواية حينئذٍ بالضعف ، وهذا المنهج هو منهج العديد من علمائنا ، وفي طليعتهم المحقق السيد الخوئي ! .

 

2. المنهج الثاني : منهج الوثوق الخبري .

وأصحاب هذا المنهج من علمائنا يقولون : إنّ تصحيح الرّواية لا يعتمد على وثاقة المخبِر ، وإنّما يعتمد على الوثوق بنفس الخبر ، بغضّ النّظر عن المخبِر ؛ وذلك من خلال جمع القرائن من هنا وهناك ، فمثلاً لو افترضنا أنّ رواة زيارة الجامعة غير ثقاة ؛ فإنّ زّيارة الجامعة تكون ضعيفةً على ضوء المنهج الأوّل ، ولكن ليس كذلك بالضرورة على ضوء المنهج الثّاني ؛ إذ أنّ ضعف الرواة ليس كافياً للحكم على الزّيارة بالضعف ؛ لإمكان الحكم عليها بالصّحة فيما لو أمكن جمع القرائن الموجبة للوثوق بالخبر ، كما لو استطعنا إثبات تواتر مضامينها ، نظير ما لو وضعنا يدنا على أحد مضامينها التي أشارت إليه بقولها : m خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين n ، ووجدنا أنّ الروايات بهذا المضمون كثيرة بل متواترة ؛ فإنّ هذا يوجب الإطمئنان بصحة الرواية ولو كان رواتها غير ثقات ، أو فقل : إنَّ هذا يجعلنا نثق بالخبر وإن لم نثق بالمخبِر ، وهذا هو معنى ما اصطلحوا عليه بالوثوق الخبري .

وعلى ضوء ذلك ؛ فإنه إذا كان لدينا منهجان في تصحيح الرّوايات وتضعيفها ، أمكنَ أن يكون نصٌ ضعيفاً على المنهج الأول وصحيحاً على المنهج الثاني ، والعكس بالعكس ، وعليه فعندما يأتي شخصٌ ويحكم من خلال المنبر العام بضعف زيارة عاشوراء ، فإنّ المفترض فيه أن يكون قد توصل إلى هذه النتيجة على ضوء أحد المنهجين ، وبما أنَّ ضعفها على ضوء أحد المنهجين لا يلازم ضعفها على ضوء المنهج الآخر ، فتصويرها للنّاس ضعيفة بشكلٍ مطلق يكون تغريراً بالجهل ، والتغرير بالجهل أمرٌ منهيٌ عنه .

 

2 ــ المبرّر الثاني : تنبيهُ النّاس على عدم الإتيان بالزّيارة أو الدّعاء على نحو الوجه الخاص .

من الواضح أنه لكل عمل عباديٍّ وجهٌ خاصٌ ، فمثلاً : صلاة الصبح ونافلة الصبح مشتركتان من حيث الصورة وعدد الركعات ، وإنما الفرق بينهما من ناحية الوجه الخاص ؛ فإنّ وجه الفريضة هو الوجوب بينما وجه النافلة هو الاستحباب ، وهذا يعني أنَّ الاستحباب والوجوب هما وجها العبادة ؛ ولذلك فإنَّ بعض النّاس يقول قبل صلاته : m أصلّي لوجهه n ، ومراده من الوجه في هذه النّيّة ــ وإن كانت نيّةً غير معتبرة ــ الوجوب أو الاستحباب .

إذا عرفتَ ذلك فإنَّ دعاة منهج التشكيك يقولون : إنَّ الهدف من تضعيف بعض الأدعية والزّيارات إنما هو تصحيح أعمال المكلفين ، وتنبيههم على خطأ قصد الوجه الخاص ؛ إذ أنَّ الكثير من الناس عندما يقرؤون الزيارة الجامعة أو دعاء التوسل أو دعاء الندبة ــ مثلاً ــ يأتون بها بعنوان الاستحباب ، مع أنَّ هذه الأدعية والزيارات محكومة بالضعف ، ومن الواضح أنَّ الأدعية والزيارات الضعيفة لا يمكن الإتيان بها بعنوان الاستحباب ، فتنبيهاً للنّاس على هذا الخطأ لا بدَّ من تفعيل مشروع تضعيف الأدعية والزيارات .

 

وقفةٌ مع المبرر الثاني :

والصحيح أنّ هذا المبرّر ليس مبرّراً ؛ إذ أنَّ المكلّف عندما يريد أن يأتي بالعمل بعنوانه الخاص أو بغيره ، فإنه يلزمه ــ كما هو الحال في بقية أعماله الأخرى ــ الرجوع في ذلك إلى المرجع الأعلم الذي يجب عليك تقليده ، فعندما يقرأ في كتاب ( مفاتيح الجنان ) ونحوه من كتب الأدعية والآداب والسنن عن استحباب الإتيان ببعض الأعمال ، وليس يعلم برأي مرجعه فيها ، فإنه قد يتمكن حينئذ من قصد الوجه الخاص وقد لا يتمكن ؛ إذ أنّ لفقهائنا رأيين في مسألة الأعمال العباديّة التي يُشَكّ في استحبابها :

 

1. الرأي الأول : صحة قاعدة التّسامح في أدلّة السنن .

وأصحاب هذا الرأي ــ ومنهم : المرحوم السيد الگلبيگاني والشيخ الغروي " ، وأستاذنا السيد محمد صادق الروحاني ( دام ظلّه الشّريف ) ــ يقولون : إن مقتضى قاعدة التسامح في أدلة السنن أنَّ كلّ عمل يبلغ المكلّف أنَّ له ثواباً معيناً ، ولا يعلم باستحبابه ، فإنه يصحّ له أن يأتي به بعنوان الاستحباب .

 

2. الرأي الثاني : عدم صحة قاعدة التسامح في أدلة السنن .

وأصحابُ هذا الرأي ــ ومنهم : السيد الخوئي ! ومعظم تلامذته ، كالمرحوم السيد الروحاني والشيخ التبريزي " ، والسيد السيستاني والشيخ الوحيد الخراساني ( دام ظلّهما ) ــ يرون أنَّ العمل العبادي وإن بلغ المكلف أنَّ له ثواباً معيناً ، ليس يصح له الإتيان به بعنوان الاستحباب إلا أن يفتيه بذلك مرجعه في التقليد ، وما دام لا يعلم برأي مرجعه فلا طريق أمامه إلا الإتيان بالعمل برجاء المطلوبيّة ، أي : برجاء أن يكون مطلوباً في الواقع ، ولا يصحّ له قصد الاستحباب .

وعلى ضوء ذلك ، فالمكلّف إمّا أن يكون مقلّداً مرجعاً يقول بالرأي الأول أو يكون مقلّداً مرجعاً يقول بالرأي الثّاني ، فإن كان يقلّد من يقول بالرأي الأول فإنّه يستطيع الإتيان بزيارة عاشوراء ــ ونحوها من الأدعية والزيارات ــ بعنوان الاستحباب حتّى ولو ضعّفها ألف شخص ، وإن كان يقلّد مرجعاً من القائلين بالرأي الثّاني لم يستطع الإتيان بزيارة عاشوراء وغيرها من الزيارات والأدعية بعنوان الاستحباب ولو صحّحها ألف شخص ، مما يعني أنَّ المسألة ــ فيما يرتبط بالوجه الخاص ــ راجعةٌ إلى مرجع التقليد أولاً وأخيراً .

وبذلك تبيّن أنَّ تبرير مشروع تضعيف الأدعية والزيارات بتنبيه المكلّفين على عدم الإتيان بها بوجهها الخاص ليس مقبولاً ؛ لأنّ المسألة ترجع إلى تقليد المكلف ، فقد يستطيع المكلّف طبقاً لتقليده أن يأتي بالوجه الخاص وقد لا يستطيع ، كما اتضح من خلال ما عرضناه مفصلاً .

 

 



[1]ـــ وسائل الشيعة : 27 / 78  .

[2]ـــ استفتائات : 2 / 491  .

[3]ـــ الفردوس الأعلى : 90 .

[4]ـــ صراط النجاة : 2 / 449  .

[5]ـــ صراط النجاة :  2 / 471  .

[6]ـــ صراط النجاة : 2 / 473  .

[7]ـــ http://www.sistani.org/index.php?p=297396&id=474

[8]ـــ أجوبة المسائل : 1 / 317  .

[9]ـــ أجوبة المسائل : 1 / 307  .

[10]ـــ الفتاوى : 1 / 394  .

[11]ـــ من لا يحضره الفقيه : 2 / 612  .

[12]ـــ سورة الغاشية  ، الآيتان : 25 و 26  .

[13]ـــ سورة السجدة  ، الآية : 11  .

[14]ـــ سورة النحل  ، الآية : 28  .

[15]ـــ سورة الزمر  ، الآية : 42  .

[16]ـــ سورة الممتحنة  ، الآية : 8  .

[ عدد الزيارات: 5614]  

تعليقات الزوار
الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني