شبكة الضياء
بحوث ومقالات »

أهمية علم أصول الفقه وثمراته

أهمية علم أصول الفقه وثمراته [1]
 
 
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على أشرف وأفضل بريّته ، محمّد وآله الطاهرين
وشدّد اللعنة والعذاب الدائمَين على أعدائهم أجمعين .
وبعد:
فإنّه يتردّد هذه الأيّام كثيراً على ألسنة بعض المنتمين إلى الحوزة العلميّة الشريفة : أنّ علم ( الاُصول ) قد تعامل معه المتأخّرون من علماء الشيعة بأكثر ممّا ينبغي ، بحيث أدّى إلى حالة منالتخمة والتورّم بالمستوىالذي خرج فيه عن مساره المرسوم له .
بل قد بلغ الأمر ببعضهم أن يصف هذا العلم الشريف بأنّه ( علم أبي حنيفة ) ، وأنّ إنفاق العمر في تحصيله وتحقيق مطالبه مضيعة للعمر وخسارة فادحة ، وقد يستدلّون على ذلك ببعض الكلمات التي ينسبونها إلى بعض أعاظم الأعلام ، وهم براء منها .
وممّا يؤسف له كثيراً أنّ هؤلاء لم يكتفوا بإقناع أنفسهم بأفكارهم التائهة ، حتّى صاروا يحاولون استغلال الأجيال الناشئة ، ويعملون جاهدين على إبعاد الجيل الصاعد من طلبة الحوزة العلميّة الشريفة ، عن الغور في أعماق المطالب الاُصوليّة ، والإحاطة بدقائقها .
وليت هؤلاء قد اعترفوا بعجزهم ـ قصوراً أو تقصيراً ـ عن إدراك الأبحاث الاُصوليّة ،
والتعمّق فيها تحقيقاً وتدقيقاً وتتبّعاً ، ولم يحاولوا أن يأخذوا بأيدي غيرهم ـ ممّن يحتاجون إلى الموجّه الناصح والمرشد الأمين ـ إلى صحراء التيه والضياع .
وتجديداً في أساليب الطرح لهذا الاتّجاه الذي يدعون إليه ، بدؤا يتترّسون الآن بعلم الحديث الشريف ، بدعوى أنّ التعمّق في المعارف الاُصوليّة موجبٌ لضياع علم الحديث ، والاهتمام بروايات أهل البيت (عليهم السلام) وأخبارهم ، وهي دعوى واضحة الزيف ، بيّنة البطلان ، بداهةَ عدم التنافي بين العلمين الجليلين ، لمن وهبهما جهده وسعيه .
ووقوفاً عند هذه الفكرة الضائعة ، وتزييفاً لمحتوياتها ، نحتاج إلى عرض مجموعة من الاُمور :
الأمر الأوّل : أهمّية علم الاُصول .
ولنترك الحديث ـ ابتداءً ـ حول هذه النقطة لأعلام الفقه وأساطين الطائفة ،قاصدين من وراء ذلك إثبات بطلان ما يدّعيه العاجزون ، وكشف الستار عن الحقيقة التي يحاولون التضبيب عليها ، وإبعاد الطلبة عنها ، وإليك بعض كلماتهم الشريفة :
1 ـ قال المحقّق الآخوند ( قدس سره ) في ( كفاية الاُصول ) : « وعمدة ما يحتاج إليه ( أي : الاجتهاد ) هو علم الاُصول ، ضرورة أنّه ما من مسألة إلاّ ويحتاج في استنباط حكمها إلى قاعدة أو قواعد بُرهن عليها في الاُصول ، أو بُرهن عليها مقدّمة في نفس المسألة الفرعيّة ، كما هو طريقة الأخباري » .
إلى أن قال : « وبالجملة ، لا محيص لأحد في استنباط الأحكام الفرعيّة من أدلّتهاإلاّ الرجوع إلى ما بني عليه في المسائل الاُصوليّة ، وبدونه لا يكاد يتمكّن من استنباط واجتهاد» ( [2] ) .
2 ـ وقال السيّد الخوئي ( قدس سره ) في ( مصباح الاُصول ) : « وأمّا علم الاُصول فتوقّف
الاستنباط عليه أوضح من أن يخفى ; ضرورة أنّه لا بدّ في استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة من معرفة المباحث الاُصوليّة ، من بحث الأوامر والنواهي ، والعموم والخصوص ، والمطلق والمقيّد ، والمجمل والمبيّن ، ومباحث الحجج والاُصول العقليّة والشرعيّة ، والتعادل والترجيح» ( [3] ) .
3 ـ وقال السيّد البجنوردي ( قدس سره ) : « وممّا ذكرنا يتبيّن احتياج الاجتهاد إلى جملة علوم ، أهمّها علم الاُصول ; إذ هو العلم المتكفّل لمعرفة كبريات مثل ذلك القياس ، الذي يكون واسطة لإثبات محمولات المسائل الفقهيّة لموضوعاتها» ( [4] ) .
4 ـ وقال السيّد الخميني ( قدس سره ) في ( تهذيب الاُصول ) ـ في صدد حديثه حول المبادئ الدخيلة في تحصيل الاجتهاد ـ : « معرفة مسائل اُصول الفقه وتحصيلها بأدقّ وجه ، وأعني من مسائلها ما لها دخالة في استنباط الحكم الشرعي ، ولها مقدّميّة لها ، فلو أنّ الفقيه لم يتقن ولم يحقّق حجّية مسألة خبر الواحد ، أو أنّ المحكّم فيما لا نصّ على حرمة شيء أو وجوبه هو البراءة ، أو أنّ المرجع في تعارض الروايات ما هو؟ وغير ذلك من المسائل الهامّة ، لتعذّرَ عليه الاستدلال في هذه الموارد وأمثالها .
وتوهّم الاستغناء عنها : بأنّه لم يكن في أعصار الأئمّة (عليهم السلام) عين ولا أثر من هذه المسائل المدوّنة ، سخيف جدّاً ، للفرق الواضح بين أعصارهم وأعصارنا ، على أنّ بعض ما عدّدناه من المسائل كان منقّحاً عند أهل الاستنباط في تلك الأعصار ، كما هو واضح على من سبر أبواب الفقه وفصول الروايات .
والحاصل : أنّ معرفة مسائل اُصول الفقه الذي احتلّ في هذه الأعصار المكانة العظمى ، من أهمّ ما يتوقّف عليه رحى الاستنباط » ( [5] ) .
5 ـ وقال السيّد الشهيد الصدر ( قدس سره ) في ( المعالم الجديدة ) : « ولسنا بعد ذلك بحاجة إلى التأكيد على أهمّية علم الاُصول وخطورة دوره في عالم الاستنباط ; لأنّه ما دام يقدِّم لعمليّة الاستنباط عناصرها المشتركة ويضع لها نظامها العام ، فهو عصب الحياة في عمليّة الاستنباط والقوّة الموجّهة ، وبدون علم الاُصول يواجه الشخص في الفقه ركاماً متناثراً من النصوص والأدلّة دون أن يستطيع استخدامها والاستفادة منها في الاستنباط ، كإنسان يواجه أدوات النجارة ، ويعطى منشاراً وفأساً وما إليهما من أدوات دون أن يملك أفكاراً عامّة عن عمليّة النجارة وطريقة استخدام تلك الأدوات » ( [6] ) .
6 ـ وقال المقدّس السيّد السبزواري ( قدس سره ) في ( تهذيب الاُصول ) : « وحقيقته أنّه قواعد معتبرة تستعمل في استفادة الأحكام الإلهيّة ، ولا اختصاص له بالمسلمين ، بل كلّ ملّة لها وظائف دينيّة يكون لها فقه واُصول .
ونزاع الأخباري والاُصولي إنّما هو نزاع صغروي في بعض مسائل الاُصول ،لا أن يمنع الأخباري عن لزوم إعمال القواعد المعتبرة المحاوريّة في استفادة الأحكام الإلهيّة عن الكتاب والسنّة .
ويكفي في فضله أنّه في الجملة من شؤون الفقه الذي هو من أفضل العلوم بعد التوحيد ، بل به يستكمل التوحيد ، وحيث أنّه نفسه مقدّمة للفقه ، يكون فضله فضلاً ترشحيّاً منه .
وأمّا غايته : فلا ريب في أنّها من أفضل الغايات وأعظمها ; لأنّها الاقتدار على تشخيص الأحكام الربوبيّة ، وتعيين الوظائف الإلهيّة لعباده ، وهذا من فروع النبوّة والخلافة الإلهيّة .
وأمّا مرتبته : فهي فوق جميع العلوم الدخيلة في الفقه ، فالاُصول من حيث المرتبة
بداية الاجتهاد ونهاية العلوم الدخيلة في الاستنباط » ( [7] ) .
6 ـ وقال سماحة الاُستاذ المحقّق السيّد الشمس ( دامت إفاداته العالية ) : « ومن الاُمور التي نودّ ذكرها في حقّ السيّد الميلاني ( قدس سره ) أنّه كان ممّن يرى أهمّية علم الاُصول وضرورته ، ولطالما كان يردّد : من لا اُصول له لا فقه له ، وكان يقول : ليس ثمّة مسألة اُصوليّة إلاّ وتتفرّع عليها مسألة في الفقه ، وهذا أمر صحيح وتامّ ; إذ أنّ من لا يكون مجتهداً في الاُصول فهو مقلّد في الفقه ، فإنّ علم الاُصول هو العلم التصديقي الوحيد لعلم الفقه ، بالرغم من وجود باقي العلوم الاُخرى أيضاً ، إلاّ أنّ الاُصول أكثرها تأثيراً وتفاعلاً مع الفقه .
فالمجتهد الواقعي هو من يستند إلى القواعد التي تثبت صحّتها لديه في مقام الاستنباط ، ولا يكون مقلّداً في درك تلك القواعد ، أي : أنّه يستعين بالمبادئ التصديقيّة للفقه ، والتي هي عبارة عن القواعد الاُصوليّة في استنباط الأحكام من مداركها المقرّرة ، وكلّما كان متضلّعاً في هذه المبادئ التصديقيّة كان حاذقاً في الاستنباط ، ولذا فإنّ من لا يكون مجتهداً في الاُصول فهو مقلّد في الاُصول » ( [8] ) .
وبعد عرض مجموع هذه الكلمات الشريفة ، نصل إلى نتيجة حاسمة ، وهي : استحالة الرقيّ إلى مدارج الاجتهاد ، والقدرة على الاستنباط ، من غير الإلمام ببحوث علم الاُصول وتحقيقها .
وأعتقد ـ بعد مرورنا بالكلمات المتقدّمة ـ أنّ كتابة شيء غير ما حبرته يراعة هؤلاء الأعلام ( أعلى الله كلمتهم ) لا يعدو كونه فضولاً لا مبرّر له .
إلاّ أنّني أشعر بإجحاف حقّ القارئ الكريم ، فيما لو تركته يعيش داخل حدود دائرة التصوّر ، ولم أنقله إلى دائرة التصديق ، لذلك أجدني مضطرّاً لعرض بعض ثمراتمسائل علم الاُصول ذات العلاقة الوثيقة ببعض الفروع الشرعيّة ، من أجل البرهنة على ما ادّعيناه من استحالة الترقّي إلى مرتبة الاجتهاد من غير التوغّل في المطالب الاُصوليّة ، وإليكها على نحو الاختصار :
 
الثمرة الاُولى : إثبات حجّية وسائل إثبات الحكم الشرعي ، نظير خبر الواحد ، والسيرة بشقّيها العقلائيّة والمتشرّعية ، والإجماع ، والشهرة ، ونحوها ، فإنّ هذه المفردات تشكّل وسائل إثبات للأحكام الشرعيّة ، ومن غير الاستعانة بها لا يمكن للفقيه أن يثبت حكماً شرعيّاً واحداً خارج دائرة الضرورات الدينيّة أو المذهبيّة ، ومن الواضح أنّ العلم الوحيد الذي تكفّل بإثبات الحجّية للاُمور المذكورة هو علم الاُصول ، وهذا مؤشّر واضح على الأهمّية البالغة لعلم الاُصول .
 
الثمرة الثانية : علاج مشكلة التعارض بين النصوص ، وهي مشكلة سيّالة تواجه الفقيه في جُلّ أبواب الفقه ، إن لم نقل كلّها ; إذ كثيراً ما تتواجد في إطار المسألة الواحدة طائفتان من الروايات أو أكثر ، وكلّ طائفة تصادم الطائفة الاُخرى وتعارضها ، بالمستوى الذي توقع فيه ناظرها في أشدّ درجات التردّد والحيرة ، وليس هناك من علم يخلّص الفقيه من حيرته هذه ، وينير له طريق الجمع بين النصوص المتعارضة ، سوى علم الاُصول الشريف .
 
الثمرة الثالثة : تحديد الوظيفة العمليّة عند عدم النصّ ; إذ هناك ركام هائل من الفروع الفقهيّة ، لم يصل فيها نصّ خاصّ ، ممّا يتسبّب في إيجاد حالة من التردّد الشديد للفقيه في مقام تحديد الوظيفة العمليّة ، سيّما في موارد الشبهات الحكميّة التحريميّة ـ التي يدور الأمر فيها بين حرمة الشيء ( كتدخين التبغ مثلاً ) وإباحته ـ حيث يذهب الأخباري إلى إجراء قاعدة الاشتغال ، بينما يذهب الاُصولي إلى إجراء قاعدة البراءة ، كما يجريها في موارد الشبهات الوجوبيّة .
ومن الواضح أنّ العلم الوحيد الذي أخذ على عاتقه أن يرشد الفقيه المستنبط
إلى طريق تحديد الوظيفة العمليّة الشرعيّة ، عند وقوعه في متاهات الشكّ والتحيّر ، هو علم الاُصول الشريف .
ولعمري لو لم تكن لعلم الاُصول الشريف إلاّ ثمرة من هذه الثمار ، لكفى ذلك في إثبات علوّ قدره ، وسموّ منزلته ، كيف وثمراته أكثر من أن تحصى ، ولكن ليس يعرف قدرها إلاّ من جاسَ خلال الديار ، ومارس تطبيقها على النصوص والأخبار ، إلاّ أنّنا قد طوينا عنها كشحاً حتّى لا نثقل على القارئ الكريم بأكثر ممّا أثقلنا عليه .
 
الأمر الثاني: أهمّية تحصيل العلوم الدخيلة في علم الاُصول .
ممّا لا ريب فيه أنّ علم الاُصول يتوقّف على جملة من المبادئ التصوّريّةوالتصديقيّة ـ كما سيوافيك إثباته ـ وكثير من هذه المبادئ مستلهمة من أحد علمين ، وهما : علم الكلام وعلم الحكمة ( الفلسفة ) ، ممّا يعني بالضرورة أهمّية الإحاطة بهذين العلمين من هذه الجهة ، وإن كانت أهمّيتها من جهات اُخرى أيضاً كافية لبعث الطالب نحو الاهتمام بهما اهتماماً يليق بشأنهما .
وللتدليل على ما ذكرناه : لا بأس بعرض بعض نماذج المسائل الاُصوليّة ، ذات الصبغة الكلاميّة أو الفلسفيّة ، ممّا يحتاجها الفقيه في مقام الاستنباط :
 
المسألة الاُولى : حجّية الإجماع المنقول والمحصّل ، حيث قد استند أعلام الاُصوليّين في إثباتها إلى عدّة وجوه ، منها وجهان يبتنيان على قاعدتين كلاميّتين :
الوجه الأوّل : قاعدة اللطف ، وهي من القواعد المهمّة في علم الكلام ، وقد استند إليها شيخ الطائفة الطوسي ( قدس سره ) لإثبات حجّية الإجماع المحصّل ، بتقريب : أنّ مقتضى اللطف عند اجتماع الاُمّة على الخطأ في تحديد حكم من الأحكام الشرعيّة ، أن يتدخّل المعصوم (عليه السلام) المنصوب من قِبل الله تعالى لإلقاء الخلاف بين الاُمّة المتّفقةعلى الخطأ ، ممّا يوجب استكشاف موافقة الإجماع لرأي الشارع المقدّس ، عندعدم الخلاف بالضرورة .
وهذا يعني أنّ هذا الوجه برمّته يتّكئ على قاعدة كلاميّة ، ولا سبيل لمعرفة المقصود منها ، وإثبات صحّتها أو بطلانها ، إلاّ بالرجوع إلى علم الكلام .
الوجه الثاني : نظريّة الحسن والقبح العقليّين ، وهي من أهمّ النظريات الكلاميّة ، وقد قُرّبت الاستفادة منها للاستدلال على حجّية الإجماع : بأنّ سكوت المعصوم (عليه السلام) القائم بمهام الإمامة عن إظهار الحقيقة عند اجتماع الاُمّة على الخطأ ، من الاُمور المستقبحة عقلاً ، فيتحتّم أن يكون سكوته (عليه السلام) كاشفاً عن موافقة المجمع عليه لرأي الشارعبمقتضى نظريّة الحسن والقبح العقليّين ، والتلازم بين الحكمين العقلي والشرعي – وإلاّ للزم عليه التنبيه .
ومن الواضح أنّه لا سبيل لمعرفة أبعاد النظرية المذكورة ، وتشخيص مدى صلاحيّتها للاستدلال بها في هذا المورد وغيره ، إلاّ بالإفادة من مطالب علم الكلام .
 
المسألة الثانية : لزوم تحصيل الملاك عقلاً ، وهي من المسائل كثيرة الدوران في الأبحاث الاُصوليّة ، وقد يترتّب عليها ـ في جملة ما يترتّب ـ القولُ بعدم جواز جريان البراءة عن الأكثر ، عند دوران الأمر بينه وبين الأقلّ ، كما هو مسلك المحقّق الآخوند ( قدس سره ) في الكفاية ، خلافاً للشيخ الأعظم ( قدس سره ) في رسائله .
وعلى أي تقدير فإنّ هذه المسألة ذات علاقة وثيقة بقاعدتين كلاميّتين :
القاعدة الاُولى : ( أفعال الله تعالى معلّلة بالأغراض ) إذ على ضوء هذه القاعدة يتمّ إثبات وجود ملاكات وراء الأحكام الشرعيّة ، وهي التي يحكم العقل العملي بوجوب تحصيلها ، ومن غير طريق هذه القاعدة لا يمكن إثبات ذلك .
القاعدة الثانية : ( الواجبات الشرعيّة ألطاف في الواجبات العقليّة ) ، وهي تعني أنّ الأحكام الشرعيّة ليست إلاّ مجرّد محصّلات للملاكات ، وهذه الأخيرة هي المطلوبة والواجبة بالذات ، فيكون امتثالها واجباً بحكم العقل ، وتركها قبيحاً .
ومن الظاهر أنّ كلتا القاعدتين قد نقّحتا تنقيحاً تامّاً في مطاوي الأبحاث الكلاميّة ، وهذا ما يؤكّد ضرورة الرجوع لعلم الكلام تمهيداً للمعرفة الاُصوليّة .
 
المسألة الثالثة : حاجة انعقاد الإطلاق إلى توفّر مقدّمات الحكمة ، ومرجع هذه المسألة إلى أنّ سبب استفادة الإطلاق هل هو وضع اللفظ للماهيّة بقيد الإطلاق ؟أم هو مقدّمات الحكمة بسبب وضع اللفظ لذات الماهيّة لا بقيّد الإطلاق ؟ وعلى ضوء هذا التقدير لا يمكن أن ينعقد الإطلاق إلاّ مع توفّر مقدّمات الحكمة بخلافه على التقدير الأوّل .
ومن الواضح أنّ الفرق بين هذين المسلكين تتوقّف معرفته ـ فضلاً عن تبنّي أحدهما ـ على معرفة اعتبارات الماهيّة ، ومعرفة الفرق بين الماهيّة المهملة والماهيّة اللابشرط المقسمي ، وهل أنّ الماهيّة اللا بشرط المقسمي هي نفسها الماهيّة المهملة ، كما هو مسلك المحقّقين الآخوند والنائيني ( قدس سرهما )تبعاً للحكيم السبزواري ( قدس سره ) ؟ أم لا ،كما هو مسلك المحقّق الاصفهاني ( قدس سره ) ؟ وهذه مطالب حكميّة لا يمكن التحقيق فيهاإلاّ بالاغتراف من علم الحكمة .
وروماً للاختصار أكتفي بذكر هذه النماذج الثلاثة ، فإنّ المنصف تكفيه الإشارة ، والمعاند لا يهتدي ولو بألف عبارة ، وهي كافية لتنبيه الطلبة المحصّلين على أهمّية تحصيل مطالب الكلام والحكمة .
ولا يفوتني وأنا في نهاية هذه النقطة أن ألفت نظر الطلبة الأعزّاء إلى أنّ عدم الدقّة في تحصيل العلمين المذكورين قد يوقع الطالب في بعض الاشتباهات التطبيقية ، المنافية للبرهان القطعي ، نظير ما وقع لبعض أساطين الفقه ( قدس سره ) من القول بصحّة الوضوء المأتي به بقصد الرياء وقصد القربة معاً ، فيما لو كان كلّ واحد منهما داعياً تامّاً ، بدعوى عدم التنافي بينهما .
والحال أنّ هذه المقالة مصادمة للبرهان القطعي ، الدّال على أنّ العلّة إذا كانت تامّةفلا يمكن تعدّدها بالنسبة إلى معلول واحد ، للزوم محذور صدور الواحد عن الكثير ، وهو من المحالات العقليّة ، كما هو مبرهن فلسفيّاً .
وواضح أنّ هذا النحو من الاشتباهات والأخطاء التطبيقيّة ، لا دافع له إلاّ بطرْق أبواب علم الحكمة ، والتسلّح بأدواته وآلياته .
 
 
وسوف نعرض من خلال هذه الأمر لمجموعة من الإشكالات ، التي يحاولأصحابها من خلالها أن يقلّلوا من أهمّية علم الاُصول ، وتوهين موقعيّته ، وهي ثلاثة إشكالات :
 
الإشكال الأوّل : ما سمعته مشافهةً من لسان بعض المشتغلين ، من أنّ علم الاُصول لم يولد في نطاق الشيعة إلاّ بعد زمن الغيبة ، ممّا يعني أنّ أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) وفقهاء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ، كزرارة بن أعين ومحمّد بن مسلم ومحمّد بن أبي عمير ويونس بن عبدالرحمن ، قد بلغوا مرتبة الفقاهة من غير أن يستفيدوا من علم الاُصول ، وهذا شاهد على عدم صحّة القول بتوقّف الاجتهاد والاستنباط على علم الاُصول .
والجواب عن هذا الإشكال : أنّه لا يخلو عن مغالطة فاضحة ، لاتّكائه على الخلط بين زمن النصّ وحضور المعصوم (عليه السلام) ، وبين زمن غيابه ، والحال أنّ الفرق شاسع بين الزمانين ، بداهةَ أنّ الفقيه في زمن النصّ ليس يحتاج إلى أكثر من الحضور بين يدي المعصوم (عليه السلام) وسماع الأحكام منه ، من غير أن يتكلّف مزيداً من العناء في فهم مقاصده وإدراك معانيه ، بعد وضوح المفردات العربيّة ، وقوّة ظهور الألفاظ الواردة على لسان الشارع في مداليلها العرفيّة .
بينما الأمر على عكس ذلك في مرحلة ما بعد النصّ ، فإنّ الفقيه يحتاج أوّلاً إلى إثبات حجّية خبر الثقة ; إذ هو طريقه الأغلب للوصول إلى النصّ الشرعي ، وكذلكيحتاج ثانياً إلى إثبات كبرى حجّية الظهور ، كما أنّ حاجته إلى تنقيح صغريات الظواهر ليست بأقلّ من حاجته إلى تحقيق كبرى الحجّية ، وعلى فرض التعارض بين النصوص فإنّه ليس باستطاعته أن يعالج مشكلة التعارض بالرجوع إلى نفس صاحب النصّ ، كمن كان يعيش معه في زمن حضوره ، بل يتحتّم عليه أن يقنّن له مجموعة من الضوابط الكلّية التي تعينه عند الابتلاء بتعارض بعض النصوص الشرعيّة واختلافها .
وهذه الأبحاث التي يحتاجها الفقيه في مرحلة ما بعد النصّ ـ ومثلها كثير ـ هي التي يبحث عنها علم الاُصول ، وهي كما عرفت ممّا لا يمكن الاستغناء عنه في هذه المرحلة ، وإن كانت ليست بهذه المثابة من الأهمّية في مرحلة النصّ الشرعي .
وما ذكرناه هو ما أشار إليه المحقّق الاُصولي السيّد محسن الأعرجي ( قدس سره ) في كتابه ( وسائل الشيعة ) ، حيث قال : «أينَ مَن حظيَ بالقرب ممّن ابتليَ بالبعد حتّى يُدعى تساويهما في الغنى والفقر ؟ كلاّ ، إنّ ما بينهما ما بين السماء والأرض ، فقد حدث بطول الغيبة ، وشدّة المحنة ، وعموم البليّة ، ما لولا الله وبركة آل الله لردّها جاهليّة ، فسدت اللغات ، وتغيّرت الاصطلاحات ، وذهبت قرائن الأحوال ، وكثرت الأكاذيب ، وعظمت التقيّة ، واشتدّ التعارض بين الأدلّة ، حتّى لا تكاد تعثر على حكم يسلم منه ،مع ما اشتملت عليه من دواعي الاختلاف ، وليس هنا أحد يرجع إليه بسؤال» ( [9] ) .
فاتّضح من خلال ما عرضناه أنّ الفرق بين المقيس والمقيس عليه أوضح من أن يحتاج إلى توضيح ، وليس يصحّح قياسهما إلاّ مغالط .
 
الإشكال الثاني : ما يكثر تداول طرحه وإثارته في الأوساط الحوزويّة ، من اشتمال علم الاُصول على كثير من الأبحاث غير المثمرة ، كما صرّح بذلك أعلام الفنّ أنفسهم ، ممّا يوجب أن يكون إنفاق العمر في دراستها ، تضييعاً له فيما لا يفيد .
وخيرُ جواب عن هذا الإشكال ما استفدناه من كلمات سماحة الاُستاذ المحقّق السيّد الشمس ( دامت إفاداته ) ، وحاصله : أنّ المسائل الاُصوليّة مسائل نظريّة وليست بديهيّة ، ممّا يعني احتياجها إلى الدليل نفياً أو إثباتاً ، وكذلك دعوى عدم ترتّب الأثر الفقهي على بعضها لا تعدو كونها مسألة نظريّة تفتقر إلى البرهان الذي يثبت صحّتها .
وعليه : فما لم يثبت أوّلاً عدم جدوى مسألة اُصوليّة معيّنة في الفقه ، فإنّه لا تصحّ مصادرتها بشكل مبدئي ; إذ احتمال فائدتها كاف لتبرير البحث عنها ، بل الصحيح أنّ عدم جدوى نفعها في الفقه حتّى ولو كان مجمعاً عليه عند أعلام الفنّ ، فإنّه يجب البحث عن مدى فائدتها ، وإلاّ لكان الحكم بعدم إثمارها تقليداً محضاً لا يأخذ بيد الإنسان إلى طريق الاجتهاد .
وبعبارة اُخرى : أنّ جميع أعلام الفنّ لو اتّفقوا على عدم دخالة مسألة نظريّة من مسائل علم الاُصول في علم الفقه ، ببرهان واحد وبيان فارد ، فإنّ اتّفاقهم المذكور لا يوجب بداهةَ المسألة ، وخروجها عن كونها نظريّة ، وعلى ذلك فإنّ الباحث فيعلم الاُصول إن قَبِلَ برهانهم عن اجتهاد فهو ، وإلاّ فإنّ إذعانه بعدم دخلها سيكون تقليداً محضاً .
فاتّضح من خلال ما ذكرناه : أنّ الإشكال المذكور يقتضي عكس ما اُريد منه ، إذ هو يقضي بضرورة الاهتمام بجميع المسائل الاُصوليّة ، حتّى التي يُدّعى عدم جدواها ، من أجل إثبات ذلك أو نفيه بالإذعان والتصديق ، حتّى تكون القناعة بإيجابيّة المسألة أو سلبيّتها قناعة اجتهاديّة .
 
الإشكال الثالث : ما أثاره بعضهم من أنّ عدم وجود المدرك للمسائل الاُصوليّة يلغي ضرورة الاهتمام بها ، بداهةَ أنّ إتعاب النفس وبذل الجهد فيما لا مدرك له ولا دليل عليه ، لا يعدّ سلوكاً عقلائيّاً .
وجوابُ هذا الإشكال : أنّه على خلاف التتبّع والتحقيق ; لوضوح كون المسائل الاُصوليّة من سنخ المسائل المدركيّة ، وإن اختلفت مداركها من مسألة إلى اُخرى ، فالبعض منها مدركه الكتاب الكريم ، كمسألة حجّية خبر الواحد على ضوء بعض المسالك ، والبعض الآخر مدركه الروايات ، كمسألة الاستصحاب ، وحجّية ظواهر القرآن ، كما هو مبنى الشيخ الأعظم (قدس سره) في الرسائل .
والبعض الثالث من المسائل الاُصوليّة ـ كمباحث الألفاظ والملازمات العقليّة ـ تتعدّد مداركه بين اللغة والعقل والسيرة والعرف والارتكاز .
وما ذكرناه يعني أنّ المسائل والقواعد الاُصوليّة بتمامها مسائل مدركية مبرهنة ،
بل قد ادّعى بعضُ الأعلام أنّ أكثر القواعد الاُصوليّة قد ثبتت بالبرهان القطعي ، وبذلك لا يبقى مجال لادّعاء عدم ضرورة الاهتمام بالبحث عنها وتحقيقها .
فتحصّل من مجموع ما عرضناه ونبّهنا عليه : أنّ طالب العلوم الدينيّة الحوزويّة يستحيل أن يرقى بنفسه من حضيض التقليد إلى أوج الفقاهة ، إلاّ بتحصيل المسائل الاُصوليّة عن تحقيق واجتهاد ، وجميعُ ما قيل غير ذلك قد أوضحنا زيفه ووهنه ، قاصدين بذلك تشييد معالم الدين ، وتنبيه الطلبة المحصّلين ، وتزييف دعاوى العاجزين .
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
واللعن الدائم على أعدائهم وغاصبيهم أجمعين
 
 
[1]نُشِرَ هذا المقال كمقدمة لكتاب ( مشكاة الأصول ) ج 1 ص 31 ، ويعود تاريخه لسنة 1427 هـ .
( [2] )كفاية الاُصول : 534 .
( [3] )مصباح الاُصول : 3/444 .
( [4] )منتهى الاُصول : 2/793 .
( [5] )تهذيب الاُصول : 2/511 .
( [6] )المعالم الجديدة : 29 .
( [7] )تهذيب الاُصول : 1/7 .
( [8] )مجلّة فقه أهل البيت (عليهم السلام) : العدد : 36 ، الصفحة 294 .
( [9] )وسائل الشيعة : 40 .

[ عدد الزيارات: 1437]  

تعليقات الزوار
الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني